وهل هناك أكثر من أن يقدم الإنسان قلبه أو رئته أو جزءاً من جسمه، هدية إلى شخص آخر.
الغريب هنا أن هذه الهدية، وهي بالتأكيد الأغلى، قد لا يقدمها الإنسان إلى من هو الأغلى على نفسه كابنه أو قريبه أو صديقه، فهو يقدمها هدية إلى شخص لا يعرف أصله وفصله، فينقذ حياته ويعطيه أملاً جديداً في الحياة.
فكرة التبرع بالأعضاء نشأت من أساطير الشعوب القديمة والمحاولات الطبية المبكرة لإصلاح الأجسام التالفة، وتحولت إلى إنجاز علمي عام 1954 مع نجاح أول عملية زرع كُلْية بين توأمين متطابقين في أمريكا أجراها الطبيب جوزيف موراي في المستشفى المعروف حالياً باسم «بريغهام والنساء» في مدينة بوسطن.
دولة الإمارات المتيقظة دوماً لما فيه صالح الإنسان تنبهت جيداً إلى هذا العمل، وسنت في عام 2017 «حياة» كبرنامج وطني يهدف إلى دعم جهود الدولة بتشجيع الأفراد على التبرع بأعضائهم وأنسجتهم، وفقاً للمعايير والممارسات الدولية المتبعة من منطلق أن التبرع بالأعضاء من أسمى القرارات وأكثرها إنسانية، تحت شعار «تبرّع وامنح كل محتاج فرصة جديدة للحياة».
هذا البرنامج الذي يقترب من عشر سنوات، أسهم، بحسب وزارة الصحة ووقاية المجتمع، في إنقاذ حياة أكثر من 1500 مريض في دولة الإمارات عبر زراعة أعضاء من متبرعين متوفين، وتفصيلاً نجح البرنامج في زراعة 1780 عضواً، شملت 924 كلية، و502 كبد، و181 رئة، و151 قلباً، و22 بنكرياساً.
وزارة الصحة وفي احتفالها باليوم العالمي للتبرع بالأعضاء، الذي يصادف 13 أغسطس/آب من كل عام، كشفت عن إنجازات نوعية حققها البرنامج بأن العدد التراكمي للمتبرعين بالأعضاء بلغ 549 متبرعاً متوفى، ما يعكس التطور المتسارع للمنظومة الصحية الوطنية وقدرتها على تحويل العطاء الإنساني إلى فرص جديدة للحياة.
والرقم الكبير واللافت بحسب موقع هذا البرنامج أن في دولة الإمارات 39 ألفاً و817 شخصاً سجلوا للتبرع بأعضائهم بعد الوفاة، وأن هناك 4000 مريض في انتظار المتبرعين.
«حياة» برنامج إنساني بامتياز، وهو اسم على مسمى، يقدِّم من خلاله المرء قطعة من جسمه لشخص لا يعرفه ولا يعرف حتى مكان وجوده، وما أجمل أن يقدم الإنسان أغلى ما وهبنا إياه الله سبحانه وتعالى خالصاً لوجهه الكريم، لينقذ حياة آخر، فيغادر الدنيا وقلبه ينبض في صدر غيره.