الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حرب إسرائيل على الجغرافيا

14 أغسطس 2026 00:08 صباحًا | آخر تحديث: 14 أغسطس 00:08 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
توقف زخم المعارك التي اندلعت بعد هجوم السابع من أكتوبر عام 2023، وتراجعت حدة القتال إن كان في قطاع غزة أو في جنوب لبنان، لكن عجلة الاعتداءات الإسرائيلية وجرائم القتل اليومي لم تتوقف، واستمر تساقط الضحايا على الجبهتين والضفة الغربية، التي تشير كل التكهنات إلى أنها ستشهد فصولاً ساخنة، في إطار مخططات الاحتلال الإسرائيلي، لتوسيع الاستيطان.
لكن من يتمعن في تطورات المشهد الفلسطيني واللبناني، يرى أن هناك حرباً أخرى، قد تكون أكثر هدوءاً، لكنها أشد خطورة تجري فوق الخرائط، حرب إسرائيلية تستهدف الجغرافيا على مختلف الجبهات، ففي غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، تبدو الأرض الآن في قلب الصراع بصورة متزايدة، فالمعركة لا تدور فقط حول الأمن أو الردع أو القضاء على الخصوم، وإنما حول سؤال أكبر وهو من يملك الأرض، ومن يقرر شكلها، ومن يستطيع أن يبقى عليها؟
ومن هنا يصبح الدمار العمراني، وإنشاء المواقع العسكرية، وتوسيع المستوطنات، والتهجير، كلها عناصر في معركة واحدة هدفها إعادة تشكيل الجغرافيا بما يخدم ميزان القوة.
فقد أدت الحرب الإسرائيلية وما تخللها من جرائم الإبادة التي ارتكبتها قوات الاحتلال إلى تدمير واسع النطاق للمباني والطرق والبنية التحتية، بحيث لم تعد القضية مجرد إعادة إعمار منازل مهدمة، وإنما إعادة بناء مجتمع كامل فوق أرض تغيرت ملامحها بواسطة التدمير الممنهج الذي يهدف إلى تحويل الأرض إلى مكان غير قابل للحياة.
فحين يهدم البيت، وتدمر المدارس والمستشفيات لا يخسر المجتمع مبانيه فحسب، بل يخسر جزءاً من قدرته على الاستمرار في المكان، لأن الجغرافيا ليست حجارة فقط وإنما ذاكرة وتاريخ وانتماء، ولهذا فإن تغيير المكان في نظر الاحتلال العنصري الإسرائيلي يمكن أن يصبح، في حد ذاته، وسيلة لتغيير مستقبل السكان والبلاد أيضاً.
وإذا كانت الحرب في غزة الأكثر تدميراً، فإن ما تلا هذه الحرب في القطاع وجنوب لبنان والضفة الغربية وحتى في سوريا، حيث أقدمت إسرائيل على احتلال أراض سورية جديدة، هو حرب بطيئة على الأرض، لكنها تمثل الفتيل الذي قد يفجر الوضع في المنطقة برمتها، لا سيما مع تزايد مشاريع التوسع الاستيطاني، واعتداءات المستوطنين. ففي غزة، تتغير خريطة السيطرة والمناطق العازلة والحركة داخل القطاع. وفي الضفة، تتغير الجغرافيا بصورة تدريجية بفعل الاستيطان والطرق والقيود والتهجير.
وفي جنوب لبنان، تعود المنطقة الحدودية إلى دائرة السيطرة العسكرية المباشرة.
ويبدو أن المعركة في الضفة الغربية تهدف إلى تغيير الخريطة من دون الإعلان عن ذلك. كل مستوطنة جديدة، وكل منطقة عسكرية، وكل عملية إخلاء أو هدم، يمكن أن تؤثر في شكل الدولة الفلسطينية الممكنة مستقبلاً، إن لم يكن قيامها مستحيلاً في ظل التقطيع المتعمد لأوصال الضفة الغربية، وبالتالي فإن المعركة على الضفة ليست فقط معركة أمنية، إنها أيضاً معركة على التواصل الجغرافي. فالدولة لا تقوم على السكان وحدهم، بل تحتاج إلى أرض متصلة وقابلة للحياة.
وحين تصبح المدن والقرى الفلسطينية محاطة بشبكة متزايدة من المستوطنات والطرق والمناطق الخاضعة لسيطرة إسرائيلية، يصبح السؤال السياسي أكثر تعقيداً: كيف يمكن إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً إذا أصبحت الأرض نفسها مجزأة؟
أما في جنوب لبنان فإن الأمر لا يبدو أقل خطورة منه في الضفة الغربية، حيث يرتكب الاحتلال الإسرائيلي جرائم يومية بحق الجغرافيا اللبنانية، من خلال عمليات التفجير والغارات الجوية، التي تحولت مع الوقت إلى ما يمكن وصفه بحرب تدمير وإعادة ترسيم  للجغرافيا، حيث تؤكد الكثير من المصادر الإخبارية أن المنطقة تشهد عمليات تفجير ممنهجة وجرفاً كاملاً لبلدات حدودية، حيث لم يعد الهدف مجرد تحييد منصات إطلاق صواريخ، بل محو البنية التحتية السكنية والاجتماعية بالكامل لفرض واقع جغرافي جديد.
وأوضحت أن هذه الإبادة المكانية تتزامن مع شق طرق إمداد لوجستية، وإنشاء بوابات عبور وقواعد ثابتة للجيش الإسرائيلي، ما يؤكد السعي لتثبيت حزام أمني وعازل دائم يفرض أمراً واقعاً على الأرض، ناهيك عن كون عمليات التفجير في الأماكن المدنية تعد جرائم حرب وتضيف سطراً جديداً في سفر الانتهاكات والجرائم الإسرائيلية، كما جرى حينما أقدم جيش الاحتلال على استخدام 700 طن من المتفجرات في محيط قلعة شقيف التاريخية.
من كل ما تقدم يمكن القول، إن الحرب الإسرائيلية على الجغرافيا، إن كانت في قطاع غزة أو الضفة الغربية أو جنوب لبنان أو سوريا، مستمرة في ظل يافطات وقف إطلاق النار، الذي بات غطاء لتمرير مخططات إسرائيل، تحت ذرائع أمنية واهية.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة