الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

جامعة الإمارات.. نصف قرن من السموّ والرفعة

27 سبتمبر 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 27 سبتمبر 00:03 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
حين تُطفئ جامعة الإمارات العربية المتحدة شمعتها الخمسين، لا تحتفل مؤسسة أكاديمية فحسب بعمرٍ من العطاء، إنما يحتفي معها وطنٌ كامل بقصة بناء وإنجاز، بدأت بحلم أطلقه القائد المؤسس المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، عام 1976، حين قرّر أن يكون الاستثمار الأول في الإنسان، وأن تكون الجامعة الوطنية الأولى منارة هذا الاستثمار وعنوانه الأسمى.
ومنذ تلك اللحظة التاريخية، ارتبط اسم الجامعة بمسيرة الاتحاد، فكبرت مع نمو الدولة، وواكبت تطلعاتها، وأسهمت في إعداد رأس المال البشري الذي تولّى مسؤوليات البناء في مختلف القطاعات. ولهذا، فإن استذكار البدايات لا ينفصل عن قراءة التحولات الكبرى التي شهدها المجتمع الإماراتي خلال خمسة عقود حافلة بالطموح والعمل والإنجاز.
منذ أن وضع المغفور له الشيخ زايد، رحمه الله، حجر الأساس لجامعة الإمارات، كانت الرؤية واضحة، جامعة تُجسّد هوية الدولة، وتنهض برسالتها الحضارية، وتُخرّج أجيالاً قادرة على قيادة المسيرة التنموية، وترسيخ الوعي والمعرفة، وحمل اسم الإمارات إلى آفاق العلم في العالم. لم تكن الجامعة مشروع مبنى أو حرم جامعي فقط، بل مشروع نهضة فكرية وإنسانية، جعل من العلم ركناً أصيلاً في بناء الدولة الحديثة.
تأتي احتفالات اليوبيل الذهبي لجامعة الإمارات تحت شعار بليغ المعنى «إرثٌ عريق... ومستقبلٌ واعد»، شعار يجمع بين الوفاء للماضي، واستشراف آفاق الغد. فالإرث العريق هو خمسون عاماً من التأسيس الراسخ، والبناء المؤسسي، وتراكم الخبرات العلمية والأكاديمية. أما المستقبل الواعد، فهو ما تستعد له الجامعة اليوم، وهي تعيد صياغة برامجها ومناهجها وبُناها البحثية، لتظل في قلب التحوّلات التي تعيشها الدولة في مسيرة التنمية المستدامة واقتصاد المعرفة.
وخلال هذه المناسبة، تجسّد الجامعة صورتها منصة وطنية للحوار العلمي والفكري، من خلال فعاليات علمية وثقافية وطلابية، تُبرز دورها في صناعة المعرفة، وتعكس حجم الثقة التي تحظى بها في المجتمع، بوصفها «جامعة الوطن» وجامعة كل بيت إماراتي.
في ذكراها الخمسين، تؤكد جامعة الإمارات أنها ستبقى «جامعة المستقبل»، مستلهمة رؤيتها من فكر القائد المؤسس، الذي آمن بأن التعليم هو الجسر الأمتن لعبور التحديات وصناعة الفرص. ومع تسارع التحوّل الرقمي، وصعود تقنيات الذكاء الاصطناعي، تزداد أهمية الجامعة بوصفها حاضنةً للكفاءات القادرة على مواكبة هذه التحوّلات، وتطويعها لخدمة الإنسان والمجتمع.
ويمتد هذا الدور إلى تمكين الطلبة من مهارات التفكير النقدي والإبداع وريادة الأعمال، وربط المعرفة النظرية بالتطبيق العملي، وتشجيع المبادرات التي تستجيب لأولويات الوطن. فالجامعة التي تستشرف المستقبل هي التي تمنح أبناءها أدوات صناعته، وتفتح أمامهم فضاءات البحث والتجريب والتعاون، وتغرس فيهم المسؤولية والانتماء والثقة بالقدرة على الإنجاز.
هذه المكانة لم تأتِ مصادفةً، بل نتيجة عملٍ منهجي طويل، جعل من الجامعة شريكاً أساسياً في صياغة السياسات الوطنية ذات الصلة بالتعليم العالي، والبحث العلمي، والابتكار، ورقمنة الخدمات، وتطوير البنية التحتية للمعرفة.
وتُوَّجت مسيرة جامعة الإمارات بسلسلة من الاعتمادات الدولية المرموقة، والشراكات الدولية البارزة، والتصنيفات العالمية المتقدمة، وتسجيل براءات اختراع نوعية، ونشر بحوث علمية هي الأوسع في أهم قواعد البيانات العالمية، وتطبيق أرقى المعايير العالمية في التعليم العالي.
وفي حرم الجامعة اليوم، تلتقي أكثر من 81 جنسية من الباحثين والعلماء، في مشهد يُجسِّد روح التنوع والانفتاح، ويُحوِّل الحرم الجامعي إلى فسيفساء إنسانية غنية، تتلاقى فيها الخبرات، وتتقاطع فيها الثقافات، لصناعة معرفةٍ متجددةٍ عابرةٍ للحدود.
ويمنح هذا التنوع طلبة الجامعة تجربة تعليمية وإنسانية ثرية، تعزز قيم التسامح والتفاهم والعمل المشترك، وتؤكد أن المعرفة لغة عالمية تجمع العقول حول أهداف مشتركة. ومن خلال هذا المناخ، تتسع آفاق البحث العلمي، وتتولد شراكات جديدة، ويصبح الحرم الجامعي نموذجاً مصغراً للعالم المنفتح الذي تؤمن به دولة الإمارات.
خمسون عاماً مضت بين حلم وتحقّق، بين رؤية وواقع. واليوم، يقف صرح جامعة الإمارات شاهداً على أن الرهان على الإنسان كان - ولا يزال - هو الرهان الرابح. فمن قاعاتها انطلقت كفاءات قادت الوزارات والمؤسسات والشركات الوطنية، وحملت اسم الإمارات إلى منصات العلم والبحث في العالم، وأسهمت في صناعة نماذج تنموية يُشار إليها بالبنان.
إن اليوبيل الذهبي لجامعة الإمارات ليس مجرد تاريخٍ يُضاف إلى سجلّ المناسبات، بل محطة تأمل واعتزاز، يُعيد فيها الوطن قراءة فصول من سيرته، عبر جامعةٍ تجسّد قيمه، وتحمل رؤيته، وتستشرف مستقبله. وهي كذلك بداية لمرحلة جديدة من الطموح، تواصل فيها الجامعة رسالتها، وتحفظ إرثها، وتبني على منجزاتها، لتظل منارة علم وبيت خبرة وطنياً، وشريكاً فاعلاً في صناعة مستقبل مزدهر ومستدام للأجيال.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة