يستخدم مصطلح فائض القوة في العلاقات الدولية لوصف حالة تمتلك فيها دولة قدرات عسكرية وتكنولوجية واستخباراتية، تفوق حاجتها لتحقيق أمنها، وبالرغم من أن هذا الفائض في القوة يفترض به أن يمنح هذه الدولة تفوقاً واستقراراً، إلا أن هذا الفائض قد يتحول لأسباب كثيرة إلى مصدر قلق عندما يدفعها إلى الاستمرار في استعمال القوة، ومحاولة توسيع دائرة التهديدات التي تفترض وجودها في محيطها، الأمر الذي يقودها إلى صراعات وحروب لا تنتهي، عندما تتوهم أنها قادرة على تطويع كل ما يعترض طريقها من أجل الهيمنة والسيطرة.
والحقيقة أن هذا هو بالضبط المأزق الاستراتيجي الكبير الذي تعيشه إسرائيل، ولا سيما في ظل حكم اليمين الذي يقوده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وفريقه المتطرف.
فمنذ إقامتها في إطار مؤامرة استعمارية على أنقاض الوطن الفلسطيني عام 1948 ترتكز العقيدة الأمنية الإسرائيلية على نظرية الردع والتفوق، بسبب الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي اللامحدود التي قدمته لها الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، وهو ما أنتج فائض القوة لدى إسرائيل، ما جعلها تبني سياستها في المنطقة من منظور عنصري مرتكزة على عقيدة أمنية تقوم على الردع والتفوق النوعي والحسم السريع، حيث لم تعد القوة مجرد أداة للدفاع، بل لاختراع الحروب، وتضخيم التهديدات التي ترى فيها مبررات لاستخدام ما لديها من فائض قوة من أجل التوسع ومنع أي تطور في المنطقة قد يحدّ أو يقلل من هيمنتها، ولذلك لم تتورع في محاربة أو تدمير أي إنجاز علمي لافت في الدول العربية، ولا سيما المحيطة بفلسطين المحتلة.
لكن اللافت في الأمر هو أنه ورغم كل التفوق العسكري الذي وفره الغرب لإسرائيل لم تستطع من حسم الصراع أو الصراعات التي ولدتها في المنطقة، حيث أثبت الواقع أكثر من مرة في التاريخ أن فائض القوة لا يترجم بالضرورة إلى نصر حاسم، وأن القوة مهما كبرت تبقى نتائجها مؤقتة وغير نهائية، لأن الشعوب التي تستخدم ضدها هذه القوة تتكيف مع متطلبات هذه الحروب غير المتكافئة، وتستطيع تحويلها إلى حروب استنزاف، ناهيك عن استثمار البعد الإعلامي والنفسي الذي يوقع هذه القوى في مآزق سياسية وأخلاقية، لأن فائض القوة لا ينتج أزمات عسكرية فقط، وإنما يخلق أزمة أخلاقية أيضاً.
وبدا ذلك جلياً بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 وجرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبتها قوات الاحتلال في قطاع غزة، والأثر الكبير الذي تركته هذه الجرائم في الرأي العام العالمي، الذي أدرك حقيقة إسرائيل كقوة استعمارية عنصرية.
والحقيقة التي تبدو واضحة للعيان هي أن شعور إسرائيل بفائض القوة وتحررها من كل القيم الأخلاقية والإنسانية والقانونية من شأنه أن يشعل المزيد من الحروب في المنطقة، فها هي قوات الاحتلال تتوسع داخل الأراضي اللبنانية، بل وتعلن صراحة أن نهر الليطاني هو خط الحدود مع لبنان، وقبلها كان توسعها داخل الأراضي السورية عقب سقوط النظام السوري السابق، ومع أنه في الوقت الراهن قد تستطيع إسرائيل فرض هيمنتها والتوسع في الأراضي العربية بسبب حالة التشرذم والضعف العربي، إلا أن فائض القوة الذي تمتلكه إسرائيل بدل أن يكون ضمانة لأمنها، سوف يتحول بالتأكيد إلى مأزق حقيقي حين يفقدها القدرة على التكيّف السياسي، لأن التفوق العسكري وحده لم ولن ينتج حسماً، بل يعيد إنتاج الصراع وتكراره بأشكال أكثر تعقيداً. وهكذا، تقف إسرائيل أمام معادلة صعبة، هي أنها مهما امتلكت من القوة لن تستطيع وضع نهاية للصراع، ومهما تعاظمت قوة الردع لديها لن تستطيع فرض السلام حسب رؤيتها، ما يعني أن تفوقها لا يمكن أن يترجم إلى استقرار.
ثمة سؤال يطرح نفسه في عقول الكثير من المتابعين لقضايا الشرق الأوسط، وهو عن سبب استعصاء حل المشكلات والأزمات التي تعيشها هذه المنطقة؟
منذ ظهور مصطلح الشرق الأوسط، وهو مصطلح بريطاني استعماري يشمل المنطقة الجغرافية التي تمتد من شرق البحر الأبيض المتوسط إلى الخليج العربي، ومن بحر قزوين والبحر الأسود شمالاً إلى المحيط الهندي جنوباً.
وعلى مدار عشرات السنين، شهدت هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم، الكثير من المحاولات الغربية لرسم حدودها الجغرافية، ولا سيما في المنطقة العربية، بما يتناسب ومصالحها الاستعمارية، وأبرزها معاهدة سايكس -بيكو التي سعت هذه القوى الاستعمارية من خلالها إلى إعادة رسم المنطقة وفق هندسة سياسية ترمي إلى تقسيم الشعوب وتقاسم الغنائم بعد الحرب العالمية الأولى، عبر خرائط رسمها المستعمرون، ظناً منهم أن ما رسموه على الورق سيصبح واقعاً ومجالاً جغرافياً مستقراً، وهو ما لم يتحقق ولن يتحقق أبداً، لأن هذه الخطوط الاستعمارية لم تمر عبر الجغرافيا فقط، وإنما كان عليها أن تمر عبر الهوية والذاكرة والانتماء، الأمر الذي جعل هذه الخطوط حدوداً هشة، زرعت البذور الأولى لصراعات لم تنته، ولاسيما في أعقاب قيام المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين، وإقامة إسرائيل عام 1948، بعد أن شكل الانتداب البريطاني لفلسطين في سبتمبر/أيلول 1923، تحت مظلة عصبة الأمم آنذاك، القناع الناعم للوجه الاستعماري القبيح، بحجة مساعدة الشعوب على حكم نفسها. ومع دخول العالم حقبة الحرب الباردة، تحول الشرق الأوسط إلى ما يشبه رقعة الشطرنج، تتجاذبها الصراعات الداخلية والإقليمية والتدخلات الخارجية، التي سعت من خلالها الدول الكبرى إلى إعادة تشكيل هذه المنطقة بما يحقق مصالحها.
وكان الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 مثالاً صارخاً على محاولات تغيير الأنظمة والمعادلات السياسية بالقوة، وفرض معادلات من الخارج، لكن ذلك لم يتحقق، وإنما فتح الباب على الفوضى في منطقتنا العربية كلها، واستيقظت صراعات وتناقضات جديدة، وظهرت هويات كانت مكبوتة، ونمت تيارات متطرفة تتقن استغلال الفرص واغتنام حالة الفراغ.
واستمرت المحاولات الاستعمارية لإعادة تشكيل المنطقة، ونهب خيراتها، مع إطلاق شعارات وأهداف جديدة، كما هو الحال في شعار «الشرق الأوسط الجديد» الذي أطلقته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس عام 2006، واصفة إياه بالفوضى الخلاقة التي ستعيد تشكيل المنطقة.
وكان الهدف واضحاً من وراء هذا الشعار، وهو إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط وتغيير موازين القوى بما يناسب المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
ويأتي ذلك في وقت يتزايد فيه الحديث، ولاسيما في الغرب، عن شرق أوسط جديد، وإن كان بصيغ مختلفة، لكن الثابت الذي لا يقبل التبدل، هو أن الشرق الأوسط يظل محتفظاً بصفاته الأكثر إثارة وهي أنه لا يمكن أن يتقبل التغيير الذي يفرض من الخارج، وهو ما يفسر عناد هذه المنطقة، التي تعد منطقة غاية في التعقيد، فهي منطقة ذات ثقافات عديدة، تتداخل فيها الأديان، وفيها تتقاطع الحضارات، وفيها أيضاً تتزاحم المصالح، ولذلك فإن كل محاولة لتغيير هذه البقعة من العالم بالقوة تتحول إلى خطأ تاريخي كبير.
ومن هذه الحقيقة التي لا تقبل التشكيك بها، سيظل الشرق الأوسط، بكل ما يحمله من تناقضات وصراعات معقدة، عنيداً أمام محاولات التغيير من الخارج، ليس لأنه يرفض العالم، بل لأنه يصر أن يكون نفسه.
فهذه المنطقة ليست مجرد جغرافيا وإنما مهد حضارات وأديان، مما يجعل فرض نماذج خارجية أمراً صعباً بل مستحيلاً.
[email protected]
نبيل سالم
ما يجري في منطقتنا حالياً، بما يحمله من مخاطر كبيرة، يثبت أن ما جرى في فلسطين مع اندلاع الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وإقامة إسرائيل عام 1948 لم يكن حدثاً محلياً، وإنما كان زلزالاً تاريخياً ضرب قلب المنطقة كلها، فذلك الزلزال لم يحدث تشققات جغرافية وسياسية في هذه المنطقة الحيوية من العالم وحسب، وإنما أطلق سلسلة طويلة من الارتدادات التي أصابت آثارها منطقة الشرق الأوسط كلها، والعالم حتى يومنا هذا.
ونتيجة لفشل المجتمع الدولي، وعلى رأسه منظمة الأمم المتحدة في إيجاد حل عادل لهذا الصراع وهذه الهجمة الاستعمارية الصهيونية، راح هذا الصراع يتصاعد وتتسع حدوده.
وشكلت القضية الفلسطينية، اختباراً حقيقياً لقوة ومصداقية القانون الدولي، فبعد إقامة الدولة اليهودية على أنقاض الوطن الفلسطيني، صدرت عن الأمم المتحدة عشرات القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، مثل قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، الذي يحدد مبادئ الوصول إلى تسوية نهائية، وإعادة لاجئي فلسطين إلى ديارهم، لكن إسرائيل رفضت القرار، كما رفضت عشرات القرارات المشابهة، مثل قرار مجلس الأمن الدولي 242 لعام 1967 الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في تلك الحرب، وكذلك قرار مجلس الأمن 338 الذي دعا إلى وقف إطلاق النار وتطبيق القرار 242. غير أن كثيراً من هذه القرارات ظل حبيس النصوص الدبلوماسية، إذ لم يتم تنفيذها بصورة كاملة على أرض الواقع.
وهنا يبرز أحد أهم أوجه الأزمة في النظام الدولي المعاصر، وهو عجز المؤسسات الدولية، التي يفترض أن تكون لها سيادة قانونية، تمكنها من فرض قراراتها عندما يتعلق الأمر بصراعات، تتشابك فيها المصالح الكبرى، لكن مع الأسف وجدت الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية نفسها، عاجزة في الكثير من الحالات أمام حدود قدرتها السياسية والقانونية، خصوصاً في ظل التوازنات الدولية داخل مجلس الأمن الدولي، حيث تتداخل اعتبارات السياسة مع مبادئ القانون الدولي، وتلعب القوة في العلاقات الدولية، ما جعل الصراع يتجاوز طبيعته الأصلية، ليصبح محوراً لصراعات أوسع.
ومع مرور الزمن دخلت قوى إقليمية جديدة، ما جعل أي مواجهة محتملة، تأخذ أبعاداً دولية تتجاوز حدود المنطقة، كما هي الحال في الوضع القائم مع الحرب الإيرانية الحالية، التي تجاوزت حدودها أطراف الحرب، وباتت ارتداداتها تظهر بوضوح في الإقليم كله، وبالتالي على أمن واستقرار العالم أجمع، وباتت نيرانها تطال دولاً عربية في منطقة الخليج، ما يهدد الصراع أمنها وسلامة مواطنيها.
أما التأثير الأكثر وضوحاً لهذه الارتدادات، فيظهر في الاقتصاد العالمي. فالشرق الأوسط يمثل أحد أهم المراكز الحيوية لإنتاج وتصدير الطاقة في العالم، وأي توتر عسكري فيه، ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية. وقد ظهر ذلك بوضوح خلال أزمة النفط 1973 التي تلت حرب أكتوبر، حين أدى التوتر السياسي في المنطقة إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط، محدثاً صدمة اقتصادية عالمية، لا سيما أن منطقة الشرق الأوسط ذات أهمية قصوى، خصوصاً بالنسبة للطاقة، باعتبارها مصدراً مهماً للنفط، أو كونها تحتوي على أهم الممرات البحرية التي تعتبر شرياناً أساسياً للتجارة العالمية، ولذلك فإن النظر إلى القضية الفلسطينية، بوصفها زلزالاً له ارتداداته وتداعياته الكثيرة يساعد على فهم الكثير من الصراعات التي يشهدها الشرق الأوسط. فالحروب والتحالفات والتوترات التي نشهدها اليوم، ليست أحداثاً منفصلة، بل حلقات متصلة في سلسلة طويلة من الارتدادات التي بدأت قبل أكثر من سبعة عقود.
وما دام النظام الدولي عاجزاً عن إيجاد حل عادل ومستدام للقضية الفلسطينية، فإن هذه الهزات ستستمر وتتلاحق لأن حلاً كهذا ليس مصلحة فلسطينية وعربية، وإنما مصلحة وضرورة للأمن والسلام العالميين أيضاً.
[email protected]
نبيل سالم
كثيراً ما نسمع أو نقرأ عما يسمى الذباب الإلكتروني، وخاصة في المناطق التي تشهد اضطرابات وسجالات سياسية ساخنة، أو خلال الحروب والأزمات الاجتماعية أو الاقتصادية، حتى غدا هذا المصطلح أشبه باللازمة التي ترافق الأحداث والاضطرابات السياسة والخلافات بين الدول، فما معنى هذا المصطلح؟ ومتى انتشر استخدامه؟ وما الدور الذي يلعبه سواء في عالم السياسة أو المجتمع؟
أسئلة كثيرة ومتشعبة تطرح نفسها بقوة حول ظاهرة الذباب الإلكتروني، وهي أسئلة لا بد منها، لكن الإجابة عنها تتطلب معرفة تاريخ ظهور هذا المصطلح، وسبب هذه التسمية. فكما هو معروف، في عصرنا الحالي الذي يشهد تطوراً كبيراً في التكنولوجيا والمعلوماتية، لا سيما في ظل تطور التقنيات الرقمية، باتت القدرة على التواصل بين البشر غاية في السهولة، وخاصة بعد ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، وهي شكل من أشكال التواصل الإعلامي، التي يتبادل المستخدمون من خلالها المعلومات والأفكار والرسائل الشخصية والمحتويات الأخرى (مثل مقاطع الفيديو) وغيرها.
لكن الأمر المثير للجدل أنه في هذا العصر المتخم بالاختراعات وتقنيات الذكاء الاصطناعي وغيرها من الاكتشافات العلمية لم تعد الحقيقة هي الأساس الوحيد في تشكيل الرأي العام، بل باتت القدرة على التلاعب بالوعي الجماهيري من خلال الأوهام والأكاذيب التي تحدد مسار الأحداث والنقاشات العامة في كثير من الأحيان، وهو أمر مؤسف وخطر.
وفي هذا السياق، برزت ظاهرة الذباب الإلكتروني كواحدة من أخطر الأدوات الرقمية التي تستخدمها جهات عديدة لبث الفوضى وتشويه الحقائق، وإسكات الأصوات الحرة، وبث الفرقة في صفوف المجتمعات.
ويعود ظهور هذه التقنيات عملياً إلى أواخر السبعينيات من القرن الماضي، عندما أطلقت شبكة (يوز نت) تطبيقات تسمح للمستخدمين بنشر واستقبال الرسائل ضمن مجالات موضوعية أطلق عليها في حينه «مجموعات الأخبار».
ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي بشكل واسع مع بدايات القرن الحادي والعشرين، اكتسبت مواقع التواصل الاجتماعي شعبية واسعة لا سيما موقع «فيسبوك» أحد أشهر مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يضم مليارات المستخدمين حول العالم.
كما زاد عدد المواقع المخصصة للتواصل الاجتماعي وتنوعت أشكالها وأهدافها، ولكن على الرغم من أن الهدف المعلن لهذه التقنية كان في حينه هو إيجاد فضاءات للتعبير الحر أو النقاش العمومي المفيد، إلا أن الحقيقة المؤسفة أن هذه الساحات الحرة للنقاش، تحولت في العقود القليلة الماضية إلى ساحات صراع غير معلن، تدار فيها حروب ناعمة تستهدف الوعي الجمعي قبل أي شيء آخر، وتزايدت المخاوف بشأن الآثار السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي بسبب استغلالها من قبل أناس مغرضين، يعملون لأجندات خارجة عن القوانين والأعراف والقواعد الأخلاقية، وهو ما دفع بالكثير من المتخصصين إلى التحذير من استغلال
مواقع التواصل الاجتماعي في نشر مواد ومحتويات مخلة بالآداب أو الشماتة بالآخرين.
لكن المشكلة التي تبدو أكبر وأكثر اتساعاً جغرافياً هي تحول بعض مواقع التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه المستنقعات التي يكثر فيها «الذباب الإلكتروني» وطغيان الإعلام (المتفلت) الذي بات لا ضابط له ولا رقيب، والذي يضم مجاميع عنكبوتية عبر مجموعات أو منظمات، وعصابات وحتى دول تعمل على توجيه أو تغيير اتجاه (الرأي العام) حيال قضية أو فكر أو معتقد ما، الأمر الذي أشعل حروباً في الفضاءات الإلكترونية، لا تقل خطورة عن المعارك الحقيقية، نظراً لأهمية الكلمة وقوتها في التأثير، وهو الأمر الذي يظهر جلياً في عالمنا العربي، حيث ما إن تلوح في الأفق بوادر أي خلاف أو أزمة مهما كانت ضئيلة بين بلد عربي وآخر، حتى تستنفر جيوش وعصابات الذباب الإلكتروني لتأجيج هذا الخلاف ونشر الأكاذيب وهو ما تعاني منه بعض الدول، ومنها دولة الإمارات التي تتعرض بين الحين والآخر لموجة من هذا «الذباب الإلكتروني» وخصوصاً من جماعة «الإخوان المسلمين»، بهدف تشويه صورتها وإنجازاتها.
ولذلك لا بد من أن يتم التصدي لهذا السيل الجارف من (الذباب المؤذي المسموم)، الذي دخل علينا من كل الأبواب والنوافذ وتسلل إلى حياتنا على حين غرة.
[email protected]
كثيرة هي غرائبيات السياسة الأمريكية، التي باتت عصية على الفهم، وأقرب ما تكون إلى استغباء العالم بأسره، أما آخر هذه الغرائبيات الأمريكية، فهي إعلان انضمام رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى ما يسمى ب«مجلس السلام»، وهذا الإعلان مخالف للمنطق والقوانين والقيم الأخلاقية، أو نكتة من العيار الثقيل، إذ كيف لملاحق من محكمة الجنايات الدولية ومتهم بارتكاب إبادة جماعية وانتهاكات جسيمة لكل القوانين والأعراف الدولية أن يكون ضمن مجلس يحمل اسم «مجلس السلام».
والحقيقة التي تصفع الوجوه هي أن انضمام نتنياهو إلى مجلس السلام، لا يشكل مخالفة لفكرة السلام وحسب وإنما يمكن اعتباره توصيفاً لعالم ضاعت فيه القوانين واختلت الموازين بشكل يدعو إلى الدهشة والاستغراب !!
ونستطيع أن نقرأ النوايا الاسرائيلية والأمريكية من هذه الخطوة الخارجة عن المألوف والمنافية للمنطق، من خلال تصريحات نتنياهو نفسه وهو يعلن انضمامه ل«مجلس السلام» الذي يرأسه صديقه وداعمه الأول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث قال عقب اجتماعه بوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، قبيل لقائه بالرئيس الأمريكي: إن «إسرائيل» ستواصل تعزيز التحالف الوثيق مع الولايات المتحدة، في إشارة إلى متانة العلاقات الثنائية والدعم السياسي القائم بين الجانبين.
ومن الطبيعي أن يثير انضمام نتنياهو لمجلس السلام انتقادات وتساؤلات أيضاً حول مدى جدية مجلس السلام نفسه وقدرته على تحقيق الأهداف التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا وبعيداً عن الجدل والانتقادات التي أثارها تعيين نتنياهو في مجلس السلام هو عن أي سلام يتحدثون في الإدارة الأمريكية، وقوات الاحتلال لم تلتزم ولا ببند واحد من بنود الخطة الأمريكية لوقف إطلاق النار، سواء أكان ذلك في غزة أم في لبنان، ففي غزة استشهد وجرح مئات المواطنين الفلسطينيين برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي، ودمر المزيد من المباني، والحال نفسها في لبنان حيث لا تزال قوات الاحتلال تعربد وتقتل المزيد من اللبنانيين المدنيين ناهيك عن التدمير واختراق السيادة اللبنانية كل يوم.
والجدير ذكره أنه على الرغم من إدراج «مجلس السلام» ضمن بنود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، والمكونة من 20 نقطة، فإن ميثاقه لا يتضمن إشارة مباشرة إلى قطاع غزة، حيث يعيش نحو 2.4 مليون فلسطيني، بينهم 1.5 مليون نازح، في أوضاع إنسانية صعبة، في الوقت الذي يصف هذا الميثاق المجلس بأنه «منظمة دولية دائمة لتعزيز السلام والحكم الرشيد في مناطق النزاع»، مع منح ترامب صلاحيات واسعة مدى الحياة، بينها حق النقض (الفيتو) وتعيين الأعضاء، ما أثار انتقادات من مراقبين رأوا الخطوة محاولة لتجاوز دور الأمم المتحدة، بما يعني ذلك من خطورة، لأنه يفقد أكبر منظمة دولية أنيط بها المحافظة على السلام والأمن الدوليين دورها في معالجة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لا بل يتضمن الميثاق انتقاداً ضمنياً للأمم المتحدة، إذ يشير إلى الحاجة لهيئة دولية أكثر مرونة وفاعلية لبناء السلام، لأن السلام الدائم يتطلب الشجاعة للتخلي عن المؤسسات التي فشلت مراراً، حسب تعبير واضعي ميثاق مجلس السلام.
[email protected]
منذ تسلمه رئاسة الولايات المتحدة في ولايته الأولى، وبعد توليه الولاية الثانية بدا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في عجلة من أمره، لتنفيذ أجندات كثيرة ومتشابكة، لكن رغم اختلافاتها الظاهرية، إلا أن جامعها كان الطابع التجاري، أو بمعنى آخر السعي للهيمنة الاقتصادية، واستنزاف ثروات العالم لخدمة المصالح الأمريكية، كرجل صفقات عقارية واستثمارات مالية.
وعلى الرغم من أنه يقدم نفسه على أنه يملك مشروعاً سياسياً متكاملاً، إلا أن من يتابع القرارات التي اتخذها والأهداف المعلنة لها، يلاحظ أن هذه القرارات تنم عن عقلية مغامرة، حيث ينظر الرئيس الأمريكي إلى العالم، باعتباره شركة عقارية أو مشروع تجاري يديره ليس إلا، وأن النجاح والفشل في سياسته يحدده مدى الربح أو الخسارة المادية.
وعلى الرغم من أن الإدارة الأمريكية الحالية، تقدم رؤية لمشروعها السياسي لخصته الوثيقة التي نشرت في أواخر العام الماضي، تحت عنوان الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي، حول رؤية إدارة ترامب للولايات المتحدة والعالم، والتي تضمنت انتقادات لاستراتيجيات الإدارات السابقة منذ نهاية الحرب الباردة، وما أسمته الوثيقة «ضرورة الرئيس ترامب» التصحيحية لما ينبغي أن تكون عليه الاستراتيجية، على الرغم من ذلك نرى أن هذه الرؤية لا تختلف كثيراً عن الاستراتيجيات الأمريكية السابقة، والتي كان هدفها على الدوام المحافظة على الهيمنة الأمريكية على العالم، ونهب خيرات الشعوب، لكن ربما يكون الفارق الوحيد بين إدارة ترامب وما سبقها من الإدارات الأمريكية، هو أنها أكثر غرائبية، فالإدارات السابقة كانت تلجأ إلى شعارات ومبررات، تحمل طابعاً أخلاقياً أوسياسياً، وإن كان مضللاً لتنفيذ أجنداتها، في حين يقدم الرئيس الأمريكي وإدارته الحالية نموذجاً يكاد يكون الأغرب في التاريخ المعاصر، ولا سيما في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وظهور ما سمي بالقانون الدولي، وتكوين منظمة الأمم المتحدة التي أنيط بها العمل على حفظ الأمن والسلام الدوليين.
فهذه الإدارة يبدو أنها لم تعد حتى معنية بتقديم مبررات لسياساتها تجاه الدول والشعوب الأخرى، وإنما تقدم نموذجاً حياً لاستعراض القوة فقط من أجل تنفيذ أجنداتها في العالم، الذي لا ترى فيه إلا ساحة لصفقات عقارية واقتصادية مدعومة بما يمكن تسميته بقوانين ترامب.
فعلى سبيل المثال أعلن الرئيس الأمريكي بمناسبة الاحتفال بما يسمى «عيد الأنوار» اليهودي (حانوكا) في أواخر العام الماضي، أنه وقّع على قرار منح إسرائيل «حقوق السيادة» على هضبة الجولان السورية المحتلة، ثم اكتشف أن قيمتها تساوي تريليونات الدولارات، وأنه ربما كان يجب أن يطلب ثمناً مقابل ذلك.! وكأن أراضي الدول الأخرى ليست سوى عقارات تملكها بلاده، تبيعها أو تمنحها لمن تشاء، علماً بأن مياه الجولان تمثل نحو 14% من مخزون المياه السوري، ناهيك عما تمتلكه هضبة الجولان من ثروات طبيعية أخرى.
أما آخر ما تفتق عنه الذهن الاستعماري لدونالد ترامب فهو تصريحاته الأخيرة بشأن جزيرة غرينلاند، حيث أعلن أن وصول الدنماركيين بسفينة إلى الجزيرة قبل 500 عام لا يعني أنهم يملكون هذا الإقليم، على حد تعبيره.
ولعل هذا التصريح تحديداً يثير تساؤلاً كبيراً، وهو أنه إذا كان الرئيس الأمريكي يعتبر أن قدوم الدنماركيين إلى غرينلاند قبل 500 عام لا يمنحهم الأحقية بها، فهل يمنح الإسرائيليين الحق في فلسطين التي قدموا إليها على شكل عصابات مدعومة من القوى الغربية الاستعمارية قبل 100 عام فقط؟!
الرئيس الأمريكي وإدارته الجديدة لا يقدمان للعالم مشاريع سياسية، وإنما يقدمان نموذجاً واضحاً لشريعة وقوانين الغاب.
أخيراً يمكن القول إنه رغم قوة الولايات المتحدة الكبيرة، فإنها لا تستطيع تغيير حقائق التاريخ، وهو أن القوة وحدها لا تكفي لفرض السيطرة، وأن منطق القوة وإن ساد مؤقتاً، لا يمكن أن يتغلب على قوة المنطق.
[email protected]