يأتي كتاب «الأكاديميا المظلمة.. كيف تموت الجامعات» لبيتر فليمنج، الأستاذ في جامعة سيدني للتكنولوجيا، كاتهام للجامعة المعاصرة، التي تحولت – في رأيه – من فضاء للفكر النقدي والمعرفة إلى «مصنع تعليمي» يخضع لمنطق السوق والمؤشرات الرقمية والتنافسية المريضة.
يقدم الكتاب الذي ترجمه إلى العربية عبد القدوس سماتي تشخيصاً قاتماً لوضعية الجامعة بعد خمسين عاماً من تغلغل النيوليبرالية، ويروي قصصاً حقيقية لأساتذة وباحثين دفعوا ثمناً باهظاً لهذا التحول، ويؤكد أن الجامعة المعاصرة ليست مجرد مؤسسة تمر بأزمة عابرة، بل هي في حالة موت سريري، وأن السبب الجوهري لهذا الموت هو تحولها إلى كيان نيوليبرالي يخضع لمنطق السوق والمؤشرات والأداء.
يقدم الكتاب الذي ترجمه إلى العربية عبد القدوس سماتي تشخيصاً قاتماً لوضعية الجامعة بعد خمسين عاماً من تغلغل النيوليبرالية، ويروي قصصاً حقيقية لأساتذة وباحثين دفعوا ثمناً باهظاً لهذا التحول، ويؤكد أن الجامعة المعاصرة ليست مجرد مؤسسة تمر بأزمة عابرة، بل هي في حالة موت سريري، وأن السبب الجوهري لهذا الموت هو تحولها إلى كيان نيوليبرالي يخضع لمنطق السوق والمؤشرات والأداء.
*خنق الإبداع
الأطروحة الأكثر جرأة في الكتاب، هي أن الموت النفسي والجسدي للأساتذة والطلاب ليس مجرد نتيجة ثانوية أو أعراض لاضطرابات نفسية فردية، بل هو نتاج مباشر للهياكل التي أنشأتها النيوليبرالية، فالأكاديميون اليوم يعملون في بيئة «مسمومة» تخنق الإبداع وتستنزف الطاقة، وتحول العلاقة بين الزملاء إلى تنافس شرس، وتجعل من الجامعة مكاناً يموت فيه حب المعرفة.
يرد فليمنج على الخطاب اليميني الذي يصور الجامعة كفضاء منعزل يحيا فيه الأكاديميون حياة مترفة بعيدة عن هموم العالم الحقيقي، ويقدم أدلة دامغة على أن هذه الصورة وهمية، مستشهداً بحالات حقيقية لأساتذة وباحثين عانوا من الفقر، والمرض، والانتحار بسبب ظروف العمل في الجامعات النيوليبرالية.
يتناول تحول الجامعة إلى «مصنع» لإنتاج المخرجات القابلة للقياس فالأستاذ لم يعد معلماً أو مرشداً، بل أصبح «عاملاً في خط إنتاج» ملزماً بتلبية مؤشرات أداء محددة: عدد المنشورات، حجم التمويل البحثي، تقييمات الطلاب، ونقاط الاستشهادات أي انحراف عن هذه المؤشرات يعاقب بفقدان الوظيفة أو التهميش.
*معايير
يصف فليمنج كيف استعارت الجامعات آليات الإدارة من الشركات الخاصة، ما أدى إلى توسع هائل في عدد المديرين والإداريين على حساب الأساتذة والباحثين، وهؤلاء المديرون، غير الملمين بالعمل الأكاديمي، يفرضون سياسات ومعايير لا تخدم سوى «النتيجة النهائية»، ويذهب فليمنج إلى حد مقارنة هذه الإدارة بالأنظمة الشمولية.
يخصص فليمنج فصلاً لنقد نظام النشر الأكاديمي وتحكيم الأقران، الذي أصبح خاضعاً لمنطق السوق والسمعة فالنشر في المجلات «الرفيعة» لم يعد وسيلة لنشر المعرفة، بل أصبح غاية في حد ذاته، وشرطاً للبقاء في الوظيفة، ما يخلق دوامة من التنافس غير الصحي والاستنساخ الفكري على حساب الإبداع الحقيقي.
لا يقتصر النقد على الأساتذة، بل يمتد إلى الطلاب الذين تحولوا إلى «مستهلكين» للتعليم فالتعليم لم يعد عملية تنوير، بل أصبح سلعة تشترى وتباع، والطلاب يقيمون الأساتذة كما يقيمون منتجاً استهلاكياً وهذا يحول العلاقة التعليمية إلى علاقة سوقية باردة، ويزيد من ضغوط الأداء على الطلاب أنفسهم، ما يسهم في تدهور صحتهم النفسية.
يقدم الكتاب أكثر من مجرد نقد للجامعة، إنه اتهام للنيوليبرالية بوصفها فلسفة دمرت مؤسسة كانت، في أحسن أحوالها، مساحة للتفكير النقدي والتحرر الفكري، فتحول الجامعة إلى «مصنع» ليس مجرد تغيير في الإدارة، بل هو تحول في جوهر المعرفة ذاتها، فالمعرفة لم تعد تنتج لأنها مفيدة أو جميلة، بل لأنها قابلة للقياس والبيع وهذا يحول العقل الأكاديمي من عقل ناقد إلى عقل أداتي، ومن مفكر إلى منتج.
ولد هذا الكتاب في خضم تفشي جائحة كوفيد 19 فالجائحة لم تدفع الجامعات إلى طور الاحتضار فحسب، بل كشفت عن مرض كان ينهشها منذ عقود، ففي الوقت الذي هرعت فيه المؤسسات الأكاديمية إلى التحول الرقمي وواجهت انهيارات مالية خانقة، كانت العلة الأعمق تكمن في انقلاب الجامعة الحديثة إلى مؤسسة تجارية تدار بعقلية السوق، مهووسة بالأداء والمخرجات والمؤشرات، ومنفصلة عن رسالتها الأصلية في التعليم والبحث.
يختتم فليمنج كتابه بسؤال مفتوح: هل الجامعة قضية ضائعة لا أمل في إنقاذها، أم أن هناك أملاً في إعادة بناء ما تبقى منها؟ يترك الإجابة مفتوحة، لكنه يحذر من أن التأخير في التحرك يجعل الإجابة «نعم» حتمية.