173 دقيقة لم تذهب سدى في مشاهدة فيلم «الأوديسة» إلى جانب ابنتي إيمان الطالبة الجامعية التي لم تقرأ هوميروس، ولكنها كانت أكثر مني حماساً لمشاهدة الفيلم، وراحت تبحث عن الإلياذة والأوديسة لتعود إلى حرب طروادة، وقد تعلّمت من قراءتها الأولية المثل الذي يقول: «احذروا الإغريق حتى عندما يقدّمون الهدايا»، والهدايا هنا إشارة إلى حصان طروادة الذي اختبأ فيه رجال إيثاكة، وفي الليل، خرجوا من جوف الحصان الخشبي، وفتحوا أبواب طروادة.
مشاهدة «الأوديسة» إلى جانب شابة في العشرين من عمرها، يعني، ومباشرة، رؤيتين ومزاجين ثقافيين، مزاج الأب الستيني قارئ الكتب والكلاسيكي إلى حدّ بعيد في ثقافته العامّة، ومزاج الشابة الجامعية التي تعيش في قلب الثقافة الرقمية ومصانع الذكاء الاصطناعي والسفر اليومي حول العالم عن طريق الإنترنت، غير أن هذه الفوارق التربوية الثقافية تذوب فوراً وتتلاشى عند التقاطعات الإنسانية الشفافة في الفيلم، وبخاصة في الخمسين دقيقة الأخيرة منه حين يعود عوليس إلى إيثاكة ويدخل قصر زوجته بينلوب في ثياب كهل متسول، وتعرفه فوراً المرأة التي كانت تغسل رجليه، بل، وتعرفه بينلوب، وتمتلئ عيناها بالدموع، وهي تراه يشدّ القوس بقوّة لا تخفى عليها هي قوّة زوجها عوليس.
المفاصل الإنسانية في هذا العمل السينمائي الكبير هي في رأيي مربط الفرس كما يقولون، وهي التي تدفع شباباً في العشرين من أعمارهم للذهاب إلى السينما ومشاهدة أسطورة مرّ عليها آلاف السنوات، ومعرفة من هو هوميروس، وما هي الأوديسة.
ونلاحظ هنا أن الفيلم لم يستند إلى ترجمة محدّدة من ترجمات الأوديسة التي نقلت إلى مئات لغات العالم، بل هو من تأليف (سيناريو) وإخراج كريستوفر نولان الذي وضع نصاً من عنده للفيلم لم يخرج عن الحدود الأولى لحرب طروادة.
فيلم كبير ومؤثر على الأقل بالنسبة لي حين أحرجت من دموعي في مشهد لقاء عوليس بابنه الذي لم يعرفه، وبالطبع، خبّأ عوليس شخصيته ليتدبّر جيداً الانتقام من الخطّاب الانتهازيين الذين كانوا يحومون حول بينلوب ليتزوج أحدهم منها، ولكن بينلوب تواصل الحياكة، وتماطل، وتصبر، وتنتظر زوجها كما يليق بملكة وفيّة لزوجها الغائب، الذي يعود إلى زوجته ومملكته، في هيئة متسول، ولكن كان تحت أسماله: ملك.
أخيراً، في الفيلم مشاهد فانتازية ربما كان لا بدّ منها، مثل مشهد «السكيلوب»، ذلك الكائن العملاق ذو العين الواحدة في وسط جبينه، ومع أنني لا يمكن أن أكون ناقداً سينمائياً، إلّا أنني كمشاهد عادي تضايقت من كثافة الموسيقى التصويرية العنيفة والغليظة في الكثير من المشاهد التي كانت تتطلب الهدوء والصمت.
