..انتبه جيداً إلى الهدف الكارثي من وراء تحويل المواقع الإلكترونية الكتب الورقية إلى كتب رقمية،.. انتبه أيضاً إلى الحرب التي يشهدها العالم أو شهدها قبل عقود من الزمن حين حُرِقت ملايين الكتب، وجرى تدمير الآلاف من المكتبات وتحويلها إلى ركام.
اقرأ كتاب «إحراق الكتب- تاريخ الهجوم على المعرفة» للباحث ريتشارد أوفندن، أحد كبار الشخصيات الإدارية التي توّلت العمل في العديد من الأرشيفات والمكتبات المهمّة مثل مكتبة جامعة أوكسفورد.. اقرأ هذا المقطع التحذيري المخيف لرجل تتبع التاريخ الأسود لحرق الكتب.. يقول: «..عندما تجعل شركات مثل غوغل مليارات صفحات الكتب رقمية، وتجعلها متوفرة عبر الإنترنت، وعندما يقدّم التخزين المجاني عبر الإنترنت من قِبل شركات مثل فليكر، فما هي الجدوى من المكتبات..».
كنت أمس في أحد المتاجر الكبرى لبيع كتب الأدب والتاريخ والأديان حين نبّهني ابني محمد، ونحن نخرج من المكتبة ببعض الأكياس المحشوة بالمعرفة، قائلاً لي: ألا تشعر يا أبي بفيض من الطاقة الإيجابية دائماً وانت تتجول في مكتبة؟ هل لاحظت فيض الطمأنينة التي تعتريك وانت تشتري الكتب؟ أجبته مندهشاً: نعم، لقد شعرت بكل هذا، لكنه كان دائماً شعوراً مضمراً تلقائياً، وها أنت تقوم بتوصيفه وتعريفه. نعم الطاقة الإيجابية والطمأنينة، وأضيف إليهما: السعادة..
دمّر غوبلز وزير الدعاية في عهد هتلر الكثير من المكتبات وحرق أكداساً من الكتب، ولقد دمّر ببساطة تلك السعادة الناجمة بكل طفولية عن تلك الطاقة الإيجابية الماثلة دائماً في الحيّز المكاني للمكتبة. كان غوبلز يقول، بحسب الباحث ريتشارد أوفندن: «لا للأغلال والفساد الأخلاقي!!،.. نعم للأدب والمبادئ في العائلة وفي الدولة (يقصد الدولة الألمانية النازية آنذاك). لن يكون الرجل الألماني المستقبلي مجرد رجل يقرأ الكتب، بل، رجل ذو شخصية، من أجل هذا نريد تثقيفكم.. ستكون أفعالكم خيراً عندما تجعلون روح الماضي الشريرة غذاءً للنار..».
وبالطبع، فالكتب هي روح الماضي الشريرة بالنسبة لغوبلز لأن المعرفة آنذاك كانت تتعارض وتوحش الأيديولوجيا والسلطة، وهكذا، يجب حرق الكتب التي كانت ضد الفكر النّازي، ويجب أن تكون غذاءً للنار..
قبل (أوفندن) تتبع الباحث د. الكسندر ستيبشيفيتش
تاريخ الكتاب، بما في ذلك تاريخ النار التي تتغذى على الورق والحبر، وفي السياق الإجرامي ذاته، لا نظن أن نيرون حرق روما وحدها كما لو أنها امرأة مارقة، فقد كانت المكتبات والمعرفة والثقافة جزءاً تاريخياً من هوية روما المتفحّمة بالنار تحت قيثارة الطاغية العصابي المجنون.
انتبه إلى تاريخك العربي، وارفع رأسك، فالعربي لم يحرق الكتب في مثل الجنون المترسّب في قاع الشخصية الأوروبية القديمة والمعاصرة، وقد كذب علينا الغرب بشعارات الحرية والديمقراطية واستقلالية الفكر والرأي..
