من غير المشكوك فيه، أن إسرائيل تملك قدرة كبيرة على المناورة واللعب في مساحات واسعة من الجغرافيا السياسية، كما يظهر في تحركاتها الممتدة من غزة إلى لبنان وسوريا، بفعل الدعم اللامحدود والعلاقة التاريخية مع الولايات المتحدة. لكن هذه التحركات، بأغلبيتها الساحقة، تظل محكومة بسقف القيود والضغوط التي تفرضها الإدارة الأمريكية، مع استثناءات قليلة، ترى أنها لن تؤدي إلى صدام مباشر مع المصالح الأمريكية. وهنا تبرز خطورة التكتيكات الإسرائيلية في القدرة على استكشاف ما يمكن وصفه بـ «الخطوط الحمر» الأمريكية واللعب في المساحة الفاصلة بين هذه الخطوط ومحاولة استغلالها والاستفادة منها من دون الظهور بمظهر المتحدي لها. ففي قطاع غزة، تكشف تقارير إسرائيلية أن واشنطن تولّد لديها شعور بأن تل أبيب تناور في التعامل مع خطة غزة وتحاول كسب الوقت والتلاعب ببنود الخطة وترتيب أولوياتها. وترى أن نتنياهو وافق مبدئياً على الخطة الشاملة لإنهاء الحرب وتنتظر منه تنفيذ الالتزامات التي تعهّد بها، وفقاً لما أوردته صحيفة «يديعوت أحرونوت» نقلاً عن مصادر مطّلعة على المفاوضات. وبحسب تلك المصادر، فإن الرسالة الأمريكية التي رافقت المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر، خلال زيارته لإسرائيل، مؤخراً، هي أن الاتفاق جرت الموافقة على خطوطه العريضة، بما في ذلك خريطة الطريق التي وضعها «مجلس السلام»، وأنه حان الوقت للانتقال من التفاوض إلى التنفيذ. غير أن إسرائيل استبقت وصول كوشنر بإعلان رفضها للخطة الشاملة وربطها أي انسحاب إسرائيلي بنزع السلاح مسبقاً من قطاع غزة والتحقق من تدميره، بدلاً من جمعه وتسليمه لإدارة غزة الجديدة. وهو ما يتناقض مع ما نصت عليه خريطة الطريق من نزع سلاح تدريجي مقابل انسحاب تدريجي وفق جدول زمني قابل للتحقق. ومع ذلك، يمكن لإسرائيل أن تجد تفهّماً لدى واشنطن بتمرير أجندتها الخاصة، كرفض الانسحابات مع اقتراب الانتخابات التشريعية، أو الاحتفاظ بما تسميه «حرية الحركة»، غير أنها سرعان ما تستغل هذا التفهم في محاولة عرقلة الاتفاقات تحت سقف القيود الأمريكية.
وكذلك الحال في لبنان، حيث الساحة الأكثر تعقيداً بسبب وجود اتفاق ترعاه الولايات المتحدة، دائماً ما تحاول إسرائيل اختبار «الخطوط الحمر» الأمريكية، فهي تدرك أنها مقيّدة بشأن قصف بيروت، لكنها تحاول استغلال أي حادث في الجنوب واتهام «حزب الله» بخرقه لتوسيع تصعيدها الميداني المطلوب أيضاً في ساحة الانتخابات الإسرائيلية. وهو ما ينطبق على سوريا، حيث وصلت الاعتداءات أخيراً إلى العمق السوري، مع قصف مطار أبو الظهور في شمال غربي البلاد، بذريعة عدم السماح بتطوير بنية عسكرية تشكل تهديداً لها، لكن هذه الذريعة سرعان ما سقطت مع الموقف الأمريكي الذي اعتبر ذلك تصعيداً غير ضروري وأنه يرتبط بالانتخابات الإسرائيلية، رغم محاولة الإيحاء بأنه جرى إعلام الولايات المتحدة مسبقاً.
