الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

«ترانا بنظهر أقوى».. كلمات تختصر رؤية قائد في إدارة الأزمات

21 أغسطس 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 21 أغسطس 00:07 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
د. آمنة محمد السعدي *
في لحظات الأزمات الكبرى، لا تُقاس قوة القيادة بكثرة الكلمات، وإنما بقدرتها على أن تمنح المجتمع الثقة عندما تزداد المخاوف، وأن تحوّل القلق إلى طاقة للعمل، والتحدي إلى فرصة لبناء مستقبل أكثر قوة واستقراراً. ومن هذا المنطلق، تحمل كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، «ترانا بنظهر أقوى»، دلالات تتجاوز حدود العبارة المباشرة، فهي ليست مجرد رسالة تفاؤل، بل يمكن قراءتها بوصفها اختصاراً لفلسفة متكاملة في القيادة وإدارة الأزمات.
تبدأ العبارة بكلمة «ترانا»، وفيها من العمق ما يتجاوز معناها اللغوي البسيط. فالحديث لا يبدأ ب«أنا»، وإنما يستحضر معنى «نحن»، قيادة ودولة ومؤسسات ومجتمع في مساحة واحدة من المسؤولية والثقة. وفي الأزمات تحديداً، تصبح هذه الوحدة أحد أهم عناصر القوة الوطنية، لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس الحدث وحده، وإنما اهتزاز الثقة أو الشعور بأن المجتمع ومؤسساته يتحركون في اتجاهات مختلفة. وكأن «ترانا» تقول: نحن معاً، نرى المشهد، ندرك حجم التحدي، ونتعامل معه كوطن واحد.
ثم تأتي «بنظهر» حاملةً بُعداً مستقبلياً لافتاً. فهي لا تصف الحاضر فقط، ولا تتوقف عند لحظة الأزمة، وإنما تنقل الذهن مباشرة إلى ما بعدها. وهنا يظهر جوهر التفكير الاستراتيجي في إدارة الأزمات، فالهدف ليس مجرد النجاة أو العودة إلى الوضع السابق، وإنما الخروج من التجربة بقدرات أعلى واستعداد أكبر. قد يكون السؤال التقليدي أثناء الأزمة: كيف نتجاوزها؟ أما السؤال الأكثر نضجاً فهو: ماذا سنتعلم منها، وكيف سنصبح بعدها أكثر قدرة؟ عندها تتحول الأزمة من حدث يجب احتواؤه إلى اختبار يكشف الثغرات، ويعيد ترتيب الأولويات، ويدفع إلى تطوير الأنظمة والمؤسسات والقدرات.
أما «أقوى» فهي ذروة المعنى في العبارة. لم تكن الرسالة أننا سنعود كما كنا، ولا أننا سنتجاوز الأزمة فحسب، بل إن النتيجة المتوقعة هي الخروج منها بقوة أكبر. وهذه القوة لا تُختزل في بعدها العسكري أو الاقتصادي، بل تشمل قوة المؤسسات، وصلابة الاقتصاد، وكفاءة الأجهزة الأمنية، واستمرارية الخدمات، ومرونة البنية التحتية، وتماسك المجتمع، والثقة بين الشعب وقيادته، والقدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط. وهنا يصبح التحدي نفسه فرصة لاختبار قدرة الدولة على تحويل الصدمة إلى معرفة، والمعرفة إلى تطوير، والتطوير إلى قوة وطنية إضافية.
ومن هذا المنظور، تحمل العبارة انتقالاً مهمّاً من مفهوم «إدارة الأزمة» إلى مفهوم أوسع هو «بناء المنعة الوطنية». فالإدارة التقليدية قد تركز على الاستجابة والاحتواء والتعافي، بينما المنعة الوطنية تبدأ قبل الأزمة باستشراف المخاطر، وبناء السيناريوهات، ورفع الجاهزية، وتأمين استمرارية الأعمال، وتعزيز التكامل بين المؤسسات. ثم تستمر أثناء الأزمة بالقرار السريع والتنسيق والثقة، ولا تنتهي بانتهاء الحدث، بل تمتد إلى التعلم منه وتطوير الأنظمة على ضوء ما كشفه من تحديات. وبذلك لا تكون الجاهزية إجراءً مؤقتاً، وإنما ثقافة دولة.
وللعبارة بُعد نفسي لا يقل أهمية عن بعدها الاستراتيجي. فالأزمات لا تقع في المؤسسات وحدها، وإنما تقع أيضاً في وعي الإنسان. والخوف والشائعات وعدم اليقين قد تضاعف آثار أي حدث. وهنا يظهر دور القيادة في صناعة الطمأنينة الاستراتيجية، طمأنينة لا تقوم على إنكار الخطر أو التقليل منه، وإنما على الثقة بالقدرة على التعامل معه. حين يسمع المجتمع «ترانا بنظهر أقوى»، تنتقل بوصلة التفكير من سؤال: ماذا سيحدث لنا؟ إلى سؤال مختلف: كيف سنخرج من هذا التحدي أفضل مما دخلناه؟ وهذه النقلة النفسية تجعل المجتمع شريكاً في الصمود، لا مجرد متلقٍ لتداعيات الأزمة.
وإذا تأملنا الكلمات الثلاث مجتمعة، نجد أنها ترسم مساراً متكاملاً: «ترانا» تحمل معنى التلاحم والثقة والوعي المشترك، و«بنظهر» تحمل معنى الحركة والاستمرارية والنظر إلى المستقبل، و«أقوى» تحمل معنى التعافي والتعلم والتطوير. تبدأ العبارة بالإنسان والجماعة، وتعبر بالفعل نحو المستقبل، وتنتهي بالنتيجة التي تسعى إليها الدول القادرة على تحويل التحديات إلى فرص للنمو..لهذا فإن «ترانا بنظهر أقوى» ليست عبارة مرتبطة بظرف عابر، بقدر ما يمكن قراءتها كفلسفة في التعامل مع المستقبل. وهي فلسفة تصلح أمام الأزمات الأمنية والاقتصادية والصحية والطبيعية والجيوسياسية والتكنولوجية، لأن جوهرها ثابت: الأزمة لا تحدد مصير الدولة، وإنما الطريقة التي تستعد بها الدولة للأزمة، وتديرها، وتتعلم منها، هي التي تحدد ما ستكون عليه بعدها.
ثلاث كلمات فقط اختصرت معاني واسعة في القيادة الاستراتيجية: الثقة دون تهوين، والاستعداد دون خوف، والحزم دون ارتباك، والتفاؤل المستند إلى القدرة، والنظر إلى ما بعد الأزمة منذ لحظاتها الأولى. ولذلك فإن أعمق ما تحمله «ترانا بنظهر أقوى» ليس وعداً بتجاوز أزمة فحسب، وإنما رسالة بأن الأوطان القوية لا تعود بعد الأزمات إلى النقطة التي كانت عندها، بل تتعلم، وتتطور، وتتقدم منها إلى نقطة أبعد.
* دكتوراه في إدارة الأزمات

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة