الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

من سرق الوقت؟

21 أغسطس 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 21 أغسطس 00:04 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
يذهب بعض المفكرين إلى أن صراع البشر الأساسي طوال التاريخ تمثل في فكرة النزاع على الوقت، بمعنى أن هناك طبقات تشكلت دائماً وفي مختلف المراحل كان هدفها الأساسي الاستمتاع بالوقت واستثماره في الراحة والنزهة، ولذلك هيمنت على طبقات أخرى استهلكت وقتها بأكمله في العمل لتحقق فوائض اقتصادية تعود بالربح على الطبقات الأعلى، واستمر هذا الوضع حتى منتصف القرن العشرين، حيث تصور لنا أدبيات عدة أوضاعاً مزرية لطبقة العمال والكادحين خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن الماضي.
منذ ما يقرب من سبعة عقود، ومع نشأة دول الرفاه والرعاية الاجتماعية، وتشكل طبقات وسطى واسعة الشرائح، بدأ الكثيرون من البشر يستمتعون بوقتهم، بات هناك المزيد من الوقت المخصص للراحة والسفر ولمختلف أنشطة الحياة، ولكن مع التكنولوجيا الحديثة وخلال الربع قرن الأخير بات معظم البشر يتذمرون مرة أخرى، فالوقت مضغوط للغاية ولم يعد هناك أيّ فسحة متاحة لنا لكي نستمتع.
المفارقة هنا أن الوقت قد سُرق منا في عصر التكنولوجيا فائقة الحداثة التي كان من المفترض أن توفره لنا، لنتذكر في الماضي أن كل شيء كنا نفعله كان يستغرق وقتاً أطول، فإذا كنت باحثاً عن المعلومات أو دارساً في الجامعة أو الدراسات العليا، كنت تُخصص شهوراً طويلة في البحث عن المراجع التي تحتاجها في دراستك، وإذا كنت من هواة القراءة، كانت هناك فترات طويلة تستغرقها في البحث عن الكتب. الآن المعلومات متوفرة بـ«كبسة زر»، ومع ذلك كانت الرسائل العلمية في الماضي تأخذ مدة أقل وتخرج بنتائج أكثر جودة، وقرّاء الماضي كانوا أكثر شغفاً بالكتب وأكثر ثقافة من قرّاء الراهن.
إذا تركنا تلك الأنشطة النخبوية، ونزلنا إلى الأرض قليلاً، فسنلاحظ أن أفعالنا في الماضي كانت تأخذ وقتاً أطول، كنا نذهب للتسوق فنمشي لمسافات طويلة في أسواق عدة، وكان لكل نوعية معينة من السلع أحد الأسواق المخصصة لها، وكانت بعض الأسواق تعمل في أيام معينة في الأسبوع، الحال نفسه بالنسبة مثلاً لحياكة الملابس التي كانت تأخذ أياماً عدة، وكانت هناك طقوس لكل نشاط بشري، طقوس تمتد لزمن طويل، حتى في إعداد الطعام وتناوله، مع الأخذ في الاعتبار أن معظم البشر كانوا يحصلون على يوم واحد إجازة في الأسبوع، الآن تغيرت الصورة تماماً، فكل شيء بالإمكان تسوّقه من مكان واحد، وهناك إجازة إسبوعية لمدة يومين أو أكثر، وكل أنشطتنا الحياتية نقوم بها بسرعة، ومع ذلك لا نستمتع بفائض الوقت، بل ويدعي الكثيرون أنه لا وقت لديهم.
نعم، التكنولوجيا الحديثة وفرت الوقت للبشر، إذن لماذا نشكو؟، ولماذا يبدو أنه لا وقت لدينا؟، هل هناك عوامل نفسية في الأمر ترتبط بضغوط العصر؟، هل أصبحنا أبناء ثقافة تتفنن في تمضية الوقت في كل ما هو سطحي، بحيث لم يعد لدينا فسحة للانفراد بذواتنا أو الاستمتاع بصحبة الآخرين؟، هناك أسئلة عديدة، نستطيع من خلال الإجابة عنها بصدق استعادة الوقت المسروق.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة