أصدر حبيب الصايغ مجموعته الشعرية الأولى (هنا بار بني عبس.. الدعوة عامة) في عام 1980، وكان آنذاك في نحو الثالثة والعشرين من عمره، وكما يلاحظ القارئ، فعنوان المجموعة ينطوي على جرأة في اختيار ما يُسمى (العتبة) التي يتحرك الشاعر بعدها نحو القارئ، و(العتبة) هنا هي العنوان، عنوان الكتاب أو علوانه كما جاء في الصحاح، غير أن جرأة حبيب مؤدبة دائماً سواء في الشعر أو في النثر، وهو شاعر الثلاث جهات إن جازت العبارة: جهة العمود الخليلي، وجهة التفعيلة، وجهة قصيدة النثر، غير أنه في هذه القصيدة الأخيرة لم يبالغ على نحو ما يفعله شعراؤها (المتطرّفون) في فهمهم لطبيعة قصيدة النثر، بل، ظل الصايغ، دائماً، مشدوداً إلى ثقافة شعرية تراثية، وإن لم يكن يبالغ، أيضاً، في الذهاب إلى التراث والانغلاق فيه.
هناك، دائماً، معادلة (رياضية) شعرية في حسابات حبيب للقصيدة الحديثة أو لنقل القصيدة الجديدة، وهذه المعادلة محكومة دائماً إلى حساسيته البالغة الشفافية في التقاط ماهو جمالي، وتشكيلي وبنائي في القصيدة سواء في شعره أو في شعر الآخرين، كان يمتلك مقدرة فذّة في الإصغاء للشعر، الإصغاء من الداخل وليس من الخارج، وكانت لديه حساسية عروضية مذهلة، ويستطيع الانتباه الفوري للكسر العروضي بفطرية موسيقية استثنائية.
مع ذلك، ويا للمفارقة، كتب حبيب مجموعة شعرية بعنوان (كسر في الوزن) أصدرها في عام 2011، مع أنه لم يكسر وزناً واحداً في كل تراثه الشعري التفعيلي والعمودي، وكان يعتبر الكسر العروضي (كسراً) آخر في شخصية الشاعر بخاصة إذا كان هذا الشاعر نجماً أو معروفاً على نطاق جماهيري واسع.
كتب حبيب الصايغ النثر الإبداعي الفني، وكتب المقالة الصحفية التحليلية ذات المنطق الإقناعي، وكتب العمود الصحفي، لكنه لم يكتب النقد الأدبي، وأظنه ما كان يفكّر في كتابة الرواية، وهي (الموضة) التي تفشّت بين عدد من الشعراء العرب، بل، بقي في حدود الشعر، وهي بالنسبة إليه الحدود الأوسع من نطاق الرواية، مع أنه يمتلك القدرة على السرد، كما تكمن في داخله الإبداعي غزارة لغوية وتخيّلية، أبقى عليهما من أجل الشعر.
هل قرأ النقد الأدبي الإماراتي أو العربي حبيب الصايغ جيداً؟
أصنع أكثر من علامة استفهام في نهاية هذا السؤال، وبلا مواربة، أقول إن تجربة صاحب (قصائد على بحر البحر) الشعرية، والصحفية، والقيادية في العمل الثقافي لم تقرأ بما يوازي ثراء هذه التجربة وأثرها التراكمي وثقلها الثقافي والفكري منذ أن بدأ حبيب في نهاية السبعينات، يكتب، ويتوهج، وينشط عنصراً تفاعلياً إيجابياً في الثقافة والحياة.
