تنافس قرية جريس، التابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية في مصر، نظيراتها من قرى الصعيد التي تخصصت في صناعة الفخار، بما تنتجه أنامل صناعها من قطع فنية تضاهي في جودتها نظيراتها من قطع الفخار في العديد من دول العالم، ما يجعلها تستحق عن جدارة لقب قلعة الفخار في مصر.
يفخر مئات من الصناع المهرة من أبناء قرية جريس بمهنتهم التراثية العريقة، التي توارثوها عن الأجداد، وبما يحملونه على عاتقهم على مدار أكثر من قرنين من الزمان، وهو التاريخ المروي لظهور هذه الصناعة في تلك القرية النائية التي قد لا تتجاوز مساحتها بضعة كيلومترات، وإن كانت بعض الدراسات المتخصصة تذهب الى أبعد من ذلك، عندما تشير إلى أن تلك القرية قد عرفت صناعة الفخار منذ آلاف السنين، حيث ورد ذكرها في عدد من كتب المؤرخين والجغرافيين العرب، من بينهم ابن حوقل في كتابه «المسالك والممالك»، وقد عرفها باسم «الجريسات»، ووصفها بأنها ضيعة ذات منبر وأسواق صالحة.
يصف الإدريسي قرية جريس في كتابه «نزهة المشتاق»، بأنها مدينة حسنة كثيرة التجارات والعمارات والكروم والأشجار، ويقول عنها علي باشا مبارك في كتابه الأشهر «الخطط التوفيقية» بأنها حازت شهرة عريضة من احتراف أهلها صناعة الفخار، مشيراً إلى أنهم يتكسّبون منها ومن الزراعة، التي لم تصرف أهالي القرية عن تلك المهنة، لتظل واحدة من أقدم القرى المصرية التي حافظت على هويتها الحرفية عبر العصور.
ويقول فوزي غنيم، وهو أحد أبرز الصنّاع الذين تخصصوا في هذه المهنة بقرية جريس، إنه تربى على هذه المهنة منذ نعومة أظفاره، حيث عمل بها منذ كان عمره لا يزيد على خمس سنوات، حيث كان دوره في ذلك الوقت ينحصر في حمل الطين إلى والده، ليحوله إلى قطع فنية رائعة الجمال. ويبين غنيم أن والده ورث تلك المهنة عن عائلته التي يتجاوز عدد العاملين فيها بصناعة الفخار اليوم أكثر من 50 فرداً، من بينهم أشقاء وأبناء وأحفاد، جميعهم تربوا من عائد تلك الصنعة.
تطور مع الزمن
تعد صناعة الفخار واحدة من أشهر المهن التراثية والإبداعية في مصر، حيث تحول أنامل الصناع فيها الطين إلى قطع فنية تنطق بالجمال والحياة، وهي أيضاً واحدة من المهن التي لا تعترف بالتمييز بين الرجال والنساء. فالعمل فيها لا يقتصر على الرجال فقط، بل تشارك فيه النساء والأطفال، ويتداخلون في مختلف مراحل الإنتاج تحت سقف واحد، في مشهد يعكس التماسك الاجتماعي والاقتصادي لأهل القرية، التي تنتج مجموعة متنوعة من المنتجات الفخارية، التي تلبي مختلف الاحتياجات، مثل القلل والأزيار والمناقد التي كانت تستخدم قديماً لحفظ المياه والطعام في البيوت المصرية، قبل أن يطور الصناع تلك القطع التراثية مع مرور الزمن، لتشمل الطواجن الخاصة بالطهي، والمباخر وغيرها من قطع الديكور التي تستخدم لتزيين المنازل العصرية، والأواني الخزفية ذات الألوان المتعددة التي تمثل نقلة نوعية في المنتج التقليدي.
تضم قرية جريس ما يزيد على 700 ورشة لصناعة الفخار، تنتج ما يزيد على 15 مليون قطعة سنوياً، ويعمل بها ما يزيد على 2500 عامل، حيث تمر الصناعة بعدة مراحل متتالية، تبدأ بخلط الأتربة الناعمة بالماء للحصول على عجينة طينية متماسكة، قبل أن تدخل بعض الورش الماكينات الحديثة التي تعمل على تدوير الطين، الذي يتلقفه الصناع في مرحلة الدولاب أو «العجلة» لتشكيل الطين إلى القطع المرغوبة، وهي العملية التي تتم يدوياً دائما، وتحتاج إلى مهارة عالية، لا يضاهيها أي إنتاج آلي.
بعدها، تترك منتجات الفخار لتجف تحت أشعة الشمس، قبل أن توضع في الأفران للحرق، ليكتسب المنتج صلابة وجودة أعلى، دفعت كثير من الصناع الى الدمج بين صناعة الخزف والفخار، لإكساب القطع ألواناً متعددة، لعبت دوراً كبيراً في تسويق المنتجات ورواجها محلياً ودولياً.