الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

اتفاق مكة وأمن الخليج.. هل تكفي الشراكات المنفردة؟

23 أغسطس 2026 00:08 صباحًا | آخر تحديث: 23 أغسطس 00:08 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في منطقة تتغير فيها موازين القوة، لا يمكن النظر إلى الاتفاقات الدفاعية باعتبارها مجرد ترتيبات بين دول، بل من الهام النظر إلى ما يمكن أن تضيفه إلى أمن المنطقة واستقرارها. ومن هذه الزاوية، يمثل اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان خطوة مهمة، ليس لما يمكن أن يضيفه إلى قدرات السعودية فقط، وإنما لما يفتحه من نقاش أوسع حول مستقبل الأمن الخليجي.
بالنسبة إلى السعودية، الاتفاق يضيف إلى خياراتها، ويمنحها تعاوناً مع دولتين لهما خبرة وقدرات عسكرية، ويفتح مجالات في التدريب والتنسيق والصناعات الدفاعية. وهذه مكاسب هامة في منطقة تتغير فيها طبيعة التهديدات باستمرار.
السؤال الهام هو: كيف ينظر الخليج إلى أمنه؟
معظم دول مجلس التعاون لديها اتفاقيات وشراكات دفاعية مع الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا. والسعودية لديها الآن شراكة جديدة مع تركيا وباكستان. وليس في ذلك ما يدعو إلى القلق، فتنويع العلاقات الأمنية يمكن أن يكون مصدر قوة. والأهم من وجود هذه الشراكات، مدى فاعليتها عندما تكون هناك حاجة فعلية إليها.
لكن، ربما تكون المسألة في طريقة النظر إلى هذه الشراكات، وليست في وجودها.
دول المجلس تعيش في جغرافيا واحدة، ومصالحها مترابطة، والتهديد الذي يصل إلى دولة قد تكون له تداعيات على بقية الدول. لذلك يصعب التعامل مع أمن كل دولة باعتباره قضية منفصلة تماماً عن أمن الآخرين.
أمن الخليج يحتاج إلى أن يُفهم كأمن مشترك، لا كمجموعة من الملفات الفردية، وهذا يعيدنا إلى الدفاع الخليجي المشترك. دول المجلس لديها تعاون عسكري قائم، لكن الظروف الحالية تستدعي تطويره، ليس عبر زيادة التدريب والتنسيق فقط، وإنما في مجالات أشمل. بمعنى آخر، أن تكون لدى الخليج قدرة حقيقية على الدفاع عن نفسه كمنظومة واحدة، وكلما أصبح الدفاع الخليجي أكثر تكاملاً، أصبح بإمكان دول المجلس أن تنظر إلى الشراكات الخارجية من موقع مختلف.
وهنا يبرز اتفاق مكة، السعودية هي الدولة الخليجية الوحيدة في الاتفاق. وإذا تعرضت دولة خليجية أخرى لتهديد، فإن تركيا وباكستان لا تكونان بالضرورة ملزمتين بالدفاع عنها، لأنها ليست طرفاً في الاتفاق. أما السعودية، فمن الصعب عزل أمنها عن أمن بقية دول المجلس، لأن أمن الخليج في النهاية مترابط. وهذا الأمر لا ينطبق على هذا الاتفاق فقط، بل على باقي الاتفاقيات الأخرى لدول المجلس.
وهنا، لا ينبغي أن يُقلل من قيمة الاتفاق، لكنه يكشف حدود أيّ ترتيب لا يشمل الخليج كله. النقطة هنا ليست في الاتفاق نفسة، وإنما في ما يمكن البناء عليه مستقبلاً. هل يمكن أن تستفيد منظومة الدفاع الخليجي، ككل، من مثل هذه الشراكات؟
ربما يكون ذلك من خلال صيغة مستقبلية تربط اتفاق مكة بمنظومة الدفاع الخليجي، أو من خلال ترتيبات تسمح لدول المجلس بالتعامل مع الشراكات الدفاعية الإقليمية ككتلة واحدة. وليس ضرورياً أن تنضم بقية الدول إلى الاتفاق بصيغته الحالية، فالهام هو الوصول إلى صيغة تخدم الأمن الخليجي المشترك.
وأما الحديث عن دول أخرى، مثل مصر والأردن، أو غيرهما، فيمكن أن تبقى علاقاتها في إطار أوسع من الشراكات والتحالفات العربية، بما يتيح الاستفادة من قدراتها وخبراتها، من دون الحاجة إلى إدخالها في اتفاق مكة، أو غيره.
الفكرة ليست تشكيل حلف في مواجهة أحد، وإنما الوصول إلى وضع تكون فيه دول الخليج أكثر قدرة على حماية مصالحها، وأن تمتلك تأثيراً وحجماً في ميزان القوى الإقليمي.
فالقوة ليست بالضرورة استعداداً للحرب. في كثير من الأحيان، تكون القوة وسيلة لتجنبها.
الدول الخليجية لديها المال، والموقع، والمصالح، والقدرات، ولديها أيضاً شبكة واسعة من العلاقات الدولية. ما ينقصها هو أن تنظر إلى هذه العناصر من زاوية واحدة، ماذا تعني للأمن الخليجي ككل؟
يمكن للسعودية أن تتعاون مع تركيا وباكستان، ويمكن لدول الخليج أن تحافظ على شراكاتها، ويمكن تطوير التعاون مع مصر والأردن. لكن كل ذلك يصبح أكثر فاعلية عندما تكون هناك منظومة خليجية قادرة على الاستفادة من هذه العلاقات. وهنا تصبح الاتفاقيات الفردية جزءاً من القوة، لا بديلاً عنها.
فالهدف ليس أن يختار الخليج بين الشراكات الخارجية والقوة الذاتية. الأفضل أن يمتلك الاثنتين معاً.
ولعل هذه هي الزاوية الأهم في اتفاق مكة، أنه يمنح السعودية شراكة دفاعية هامة، لكنه في الوقت نفسه يفتح أمام الخليج فرصة للتفكير في أمنه بطريقة مختلفة، ويذكر بحقيقة بسيطة (لكل دولة خليجية شراكاتها، لكن أمن الخليج واحد).
وإذا كان الأمن واحداً، فمن الطبيعي أن تكون هناك قوة خليجية واحدة، أو على الأقل منظومة دفاعية مشتركة، تستطيع أن تجعل الخليج طرفاً له وزنه في معادلة الأمن الإقليمي، وليس مجرد مجموعة دول تتعامل كل منها مع التحديات منفردة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة