مع التحولات والأحداث الأمنية المتسارعة في الشرق الأوسط، خرجت المواجهة بين إسرائيل وإيران من الخفاء إلى العلن، وانتقلت مرحلة الصراع من غير المباشر إلى المباشر. وفي وسط هذا كله، إسرائيل تحاول إعادة تعريف موقعها الإقليمي (وإن كانت لا تنتمي إلى الإقليم جغرافياً)، فلم تعُد ترى إنها مجرّد طرف في الصراع، بل تقدم نفسها كقوة ردع، وحاجز أمني أمام إيران.
إسرائيل لا تنظر إلى المواجهة مع إيران بوصفها معركة عسكرية فقط، وإنما كفرصة لتعزيز موقفها الإقليمي، سياسياً وأمنياً، وإقناع شركائها في الغرب بأنها تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة النفوذ الإيراني. ومن هذا المنطلق، تحاول تل أبيب أن تجعل من نجاحها في إضعاف إيران، أو الحد من نفوذها الإقليمي، مدخلاً لترسيخ حضورها في أيّ ترتيبات أمنية قد تشهدها المنطقة مستقبلاً.
السؤال المهم هنا: كيف تنظر دول الخليج إلى هذا التحول؟
لا يأتي هذا الدور نتيجة تفويض، عربي أو خليجي، بل هو نتاج رؤية إسرائيلية تقوم على استثمار المخاوف المشتركة من التمدد الإيراني، لتحويل نفسها من دولة محل نزاع إلى عنصر فاعل في هندسة التوازنات، الأمنية الإقليمية. بمعنى آخر، تسعى تل أبيب إلى تحويل الردع العسكري ضد إيران إلى رأسمال، سياسي واستراتيجي، يكرّس حضورها كقوة إقليمية يصعب استبعادها من أي ترتيبات مستقبلية.
وتخدم هذه المقاربة هدفين متوازيين، الأول يتمثل في استنزاف القدرات الإيرانية، وتقليص مساحة نفوذها الإقليمي، والثاني في فرض واقع سياسي جديد يجعل من إسرائيل جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي بحكم الأمر الواقع، لا بحكم التسويات السياسية.
في المقابل، تتعامل دول الخليج مع هذا المشهد بمنطق مختلف تماماً. فالمقاربة الخليجية لا تنطلق من الاعتبارات الأيديولوجية بقدر ما تنطلق من حسابات الأمن القومي، وموازين القوى. ولذلك تنظر العواصم الخليجية إلى أيّ تراجع في قدرة إيران باعتباره تطوراً إيجابياً من الناحية الأمنية، بغضّ النظر عن الجهة التي تقف وراءه.
لكن هذه الاستفادة لا تعني قبولاً بالدور الإسرائيلي، أو اعترافاً بشرعيته. فهناك فارق جوهري بين الاستفادة من نتائج توازنات القوة، وبين الانخراط في تحالفات قائمة على تلك النتائج. من هنا يمكن فهم الموقف الخليجي باعتباره محاولة للموازنة بين الاستفادة من التحولات التي تضعف النفوذ الإيراني، وبين الحفاظ على استقلالية القرار السياسي، وعدم منح إسرائيل فرصة لتحويل هذه التطورات إلى مدخل لتوسيع دورها في المنطقة.
فدول الخليج تدرك أن تغير موازين القوى قد يحقق لها مكاسب أمنية، لكنها في الوقت نفسه لا تنظر إلى الأمن باعتباره نتيجة لوجود قوة خارجية (أياً كانت)، بل ترى أن الاستقرار الحقيقي يرتبط بامتلاك القدرة الذاتية، وبناء شراكات استراتيجية تقوم على المصالح المتبادلة، والوضوح في الأهداف.
ومع ذلك، فإن التعامل الخليجي مع إسرائيل لا يمكن اختزاله في موقف واحد، أو رؤية موحدة بالكامل. فلكل دولة حساباتها الخاصة، وأدواتها السياسية التي تحدّد طبيعة علاقتها بتل أبيب.
وعلى الرغم من هذا التباين في الأدوات، تبقى المصالح الأمنية العليا، والقواعد الحاكمة للموقف الخليجي متقاربة إلى حد بعيد. فليس هناك قبول خليجي بأن تتحول إسرائيل إلى وصي أمني على المنطقة، كما لا يوجد استعداد للتنازل عن استقلالية القرار الاستراتيجي الخليجي لمصلحة أي قوة إقليمية، مهما بلغت قدراتها العسكرية.
من هنا تبدو بعض القراءات الإسرائيلية والغربية التي تتحدث عن تحالف أمني خليجي إسرائيلي في مواجهة إيران، مبالغاً فيها إلى حد كبير. فما يجري على أرض الواقع أقرب إلى تقاطع موضوعي في المصالح منه إلى تنسيق استراتيجي منظم. فكل طرف يتحرك وفق أولوياته، وحساباته الخاصة، حتى وإن التقت النتائج في بعض الملفات.
إن محاولة إسرائيل تقديم نفسها باعتبارها «الحارس الأمني» للمنطقة لا تعكس بالضرورة قبولاً إقليمياً بهذا الدور، بقدر ما تعكس سعياً إسرائيلياً لفرضه من خلال موازين القوة، والوقائع الميدانية. أما دول الخليج، فتتعامل مع هذه المعادلة بقدر كبير من البراغماتية السياسية، فهي تدرك أن الجغرافيا السياسية لا تُدار بالعواطف، كما تدرك أيضاً أن المصالح الآنية لا ينبغي أن تتحول إلى تنازل عن الثوابت الاستراتيجية.
وهنا تظهر إحدى سمات السياسة الخليجية في التعامل مع التحولات الإقليمية، وهي القدرة على الموازنة بين الاستفادة من تغيّرات المشهد، وعدم الارتهان لها. فدول الخليج تدرك واقع القوة في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه تحرص على أن تبقى قراراتها مرتبطة بمصالحها الوطنية، وثوابتها السياسية.
إنها مقاربة تقوم على الواقعية السياسية، فهي لا تتجاهل موازين القوى، لكنها لا ترى فيها بديلاً عن بناء أمن إقليمي مستقر يقوم على التوازن والاستقلالية.
