الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

«الذاكرة» والحروب المعاصرة

23 أغسطس 2026 00:09 صباحًا | آخر تحديث: 23 أغسطس 00:09 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
تتجاوز الحروب المعاصرة نطاق الاستحواذ الميداني والسيطرة الجغرافية، لتطال ركائز الذاكرة الجمعية، والشواهد التي تربط المجتمعات بتاريخها، فحين تُدمَّر المتاحف، والأرشيفات، ودور العبادة، والمباني التاريخية، لا تكون الخسارة عمرانية فحسب، بل تمتد إلى الهوية والمعرفة، وإمكان نقل التاريخ إلى الأجيال اللاحقة، لاسيما عندما يتكرر استهداف المواقع ذات القيمة الرمزية والحضارية.
وتتبدى إحدى أبشع صور هذه «الإبادة الثقافية» في قطاع غزة، حيث أصاب الدمار متاحف ومباني تاريخية، ومواقع دينية وأثرية، من بينها المسجد العمري، ومجمعات كنسية، ومعالم تعود إلى حقب مختلفة، ومهما دار الجدل بشأن القصد العسكري في كل واقعة على حدة، فإن النتيجة الثقافية شديدة الوضوح، وهي اختفاء أجزاء من الشاهد المادي على تاريخ المكان، وتآكل قدرة الأجيال القادمة على معاينة إرثها في صورته الأصلية.
أما على الجبهة الشرقية من أوروبا، فإن الحرب في أوكرانيا تكشف وجهاً آخر للاستنزاف الحضاري، فقد تضررت كاتدرائيات، ومتاحف، ومبانٍ تاريخية، في مدن بينها أوديسا وخاركيف، بفعل العمليات العسكرية، فيما وثقت جهات دولية أضراراً واسعة لحقت بالممتلكات الثقافية، كما أن استخدام أيّ طرف لمبنى ثقافي لأغراض عسكرية قد يزيد من تعرّضه للخطر، من دون أن يلغي ذلك القيود التي يفرضها القانون الدولي على استهداف الممتلكات الثقافية.
وفي إيران، يأخذ محو الذاكرة طابعاً داخلياً مختلفاً عن ساحات الحرب، وتبرز المقابر، ومواقع دفن ضحايا القمع السياسي، بوصفها من أكثر الأمثلة دلالة، إذ وثقت تقارير حقوقية أعمال تجريف وتغيير وطمس طالت مواقع قبور جماعية، بينها خاوران، إضافة إلى الجدل بشأن تغييرات في أجزاء من مقبرة «بهشت زهراء»، ويترافق ذلك مع حضور أمني كثيف في فضاءات عامة رمزية، مثل ميداني أزادي وانقلاب، بما يجعل السيطرة على المكان جزءاً من إدارة الذاكرة العامة، ومن يُسمح له بالتجمع والتعبير فيها.
فقدان الذاكرة لا يقتصر على الحجارة، لكن يمتد إلى المكتبات، والجامعات، والأرشيفات المحلية والرقمية، وإلى الباحثين، والفنانين، وحراس التراث أنفسهم، فضياع الوثيقة، أو المخطوطة، أو المؤسسة المعرفية قد يقطع سلسلة من المعرفة لا يمكن إعادة بنائها بمجرّد تشييد مبنى جديد.
هذه الوقائع تكشف محدودية قدرة آليات الحماية الدولية على منع الضرر أثناء النزاعات المسلحة، على الرغم مما توفره اتفاقية لاهاي وغيرها من قواعد لحماية الممتلكات الثقافية، أما ممارسات المحو والطمس داخل الدول فتطرح، إلى جانب ذلك، أسئلة تتعلق بحقوق الإنسان، وحماية الذاكرة الجماعية من هيمنة السلطة.
قد تعيد خطط الإعمار الطرق والمباني، لكنها لا تستعيد بالضرورة أصالة أثر اندثر، أو مخطوطاً أُبيد، أو شاهداً تاريخياً مُحي، لذلك يصبح تدمير التراث، أياً كان دافعه، أكثر من خسارة مادية، إنه انتقاص من قدرة المجتمع على رواية ماضيه، وفهم حاضره، وبناء مستقبله على ذاكرة لا تزال حية.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة