في غزة لم يكن التراب مجرّد جغرافيا تحيط بالضحايا، بل كان الخزنة التي حفظت رفات 112 مفقوداً، حتى أتت الأيادي لتستعيدهم في مشهد ملحمي، تلاشى فيه الفارق بين الجسد والأرض، فكل جثمان يُستخرج من تحت الأنقاض يُعيد ترسيم حدود الحق التاريخي، ويؤكد أن الأرض لا تطرد أصحابها، بل تحتضنهم، فالجنازة الجماعية الأخيرة ليست إعلاناً للغياب، بل هي تأكيد على الحضور الوجودي الدائم الذي لا يستطيع الركام محوه.
استمرار بقاء آلاف الجثامين محاصرة تحت الركام يُكرّس حالة من «الموت الممتد»، حيث لا تنتهي المأساة بوقوع الاستهداف العسكري، بل تتواصل عبر حرمان الضحايا وأُسَرهم من الحق الفطري في الكرامة الإنسانية، ولا يمكن قراءة المنع الممنهج لدخول المعدات الثقيلة والآليات والوقود لغزة كعجز لوجستي مجرّد، بل هو أداة عقاب جماعي تجعل من جثامين الضحايا أوراق ضغط سياسي، ومحاولة لكسر إرادة الصمود لدى المجتمع الفلسطيني.
يكشف هذا الواقع عمق الفجوة بين الخطاب الدبلوماسي العالمي المحكوم بالمناورات، وبين المأساة القاسية على أرض غزة. إن اختزال أجساد 112 فلسطينياً، وغيرهم ممن لا يزالون مفقودين في بيانات إحصائية صمّاء، يُجرّد القضية الفلسطينية من بعدها الإنساني، والجامع، وحين تُعرقل الحسابات، السياسية والأمنية، أبسط الحقوق الإنسانية كإكرام الموتى، فإن الصمت الدولي يتحول إلى تواطؤ أخلاقي يُشرعن إطالة أمد الإبادة والتهجير.
وفي محاولة بائسة لشرعنة هذا الخراب، تخرج الاعترافات الرسمية من رأس الهرم العسكري الإسرائيلي، إذ تحوّل الدمار إلى عقيدة معلنة يتباهى بها يسرائيل كاتس وزير الدفاع الإسرائيلي، بمسح أحياء بأكملها ضمن المناطق الأمنية المستحدثة لفرض مناطق عازلة بالحديد والنار. وحين يعترف كاتس بتغيير ديموغرافي وجغرافي واسع،، فإنه يؤكد السعي لقتل الذاكرة الرمزية.
من هنا، لا يقتصر انتشال الرفات على كونه واجباً إنسانياً، بل يتحول إلى أرشفة شعبية للعدالة الغائبة، فكل جثمان يُعاد إلى النور يحمل في تفاصيله شاهداً حياً يروي قصة إنسان مسلوب الحياة، ويسهم في بناء أرشيف حقوقي ميداني سيشكل المادة الخام الأساسية لأيّ محاكمات دولية مستقبلية.
وعلى الرغم من المأساة وقسوة تفاصيلها الدامية، إلا أن هذه المشاهد تُعيد صياغة مفهوم الذاكرة الجمعية وتجديد الوعي بالحق الفلسطيني، فالأسر في غزة التي تحفر الأنقاض بأيديها العارية لا تبحث عن رفات أبنائها فقط، بل تخوض صراعاً وجودياً ضد المحو، والإلغاء، والنسيان، فاستخراج الرفات ودفنه في تراب الوطن ليس مجرد إكرام للموتى، بل هو فعل نضالي بامتياز، يُعلن الرفض التام لدفن الحق الفلسطيني تحت الركام.
وسيظل ملف المفقودين تحت الركام في هذه المدينة المكلومة محاكمة علنية لميزان القوة الدولي والأخلاقي، وسيظل رهن القضية الفلسطينية وحياة الناس وموتهم بالمساومات السياسية يُفرغ المؤسسات الدولية من قيمتها الوجودية، وستبقى تلك الأكفان المرفوعة في الشوارع المحاصرة شهادة حية تُطارد الضمير العالمي، وتؤكد يقيناً أن القضية الفلسطينية تعيد اليوم رسم حدود الأخلاق الإنسانية من قلب الركام.
