في يوم المرأة الإماراتية، أكتب هذه الكلمات لا بصفتي أكاديمية وإعلامية فحسب، بل بصفتي امرأة إماراتية عاشت تجربة هذا الوطن، وتعلّمت في مؤسساته، وعملت بين ميادينه، وشهدت كيف تحوّل تمكين المرأة من طموح إلى واقع، ومن فرصة إلى مسؤولية.
وحين أتأمل اليوم رؤية أم الإمارات 50:50، لا أقرأها بوصفها مجموعة من المستهدفات والمؤشرات فقط، وإنما أراها امتداداً لقصة بدأت منذ قيام دولتنا؛ قصة وطن آمن منذ البداية بأن بناء الإنسان لا يكتمل دون المرأة، وأن المستقبل لا يمكن أن يُصنع بنصف المجتمع.
فالتعليم بالنسبة لي لم يكن شهادة أحملها، وإنما كان الطريق الذي شكّل شخصيتي، ووسّع رؤيتي، ومنحني القدرة على أن أبحث وأناقش وأعلّم أجيالاً أخرى، واليوم، وأنا أقف أمام طالباتي في الجامعة، أرى في كل واحدة منهن مشروع امرأة إماراتية قادرة على أن تكون باحثة أو إعلامية أو قيادية أو مبتكرة، وأشعر بأن مسؤوليتنا كأكاديميين لم تعد أن نمنح الطالبات المعرفة فقط، بل أن نهيئهن لعالم يتغير بسرعة؛ عالم الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والاقتصاد الجديد والقطاعات المستقبلية، وهذا تحديداً ما يجعلني أرى في رؤية أم الإمارات 50:50 رؤية للمستقبل، لا مجرد احتفاء بالماضي، أما الإعلام، فقد علّمني شيئًا آخر: أن الإنجاز الذي لا تصل قصته إلى الناس قد لا يأخذ حقه من التأثير.
ومن خلال تجربتي الإعلامية، أدركت أن المرأة الإماراتية اليوم لا تحتاج فقط إلى من يتحدث عن إنجازاتها، بل تحتاج إلى أن تكون هي نفسها صاحبة الصوت، وصانعة الرسالة، وشريكة في تشكيل الوعي المجتمعي.
نحن بحاجة إلى إعلام لا يقدم المرأة في صورة احتفالية ليوم واحد، وإنما يتابع مسيرتها طوال العام؛ الباحثة في مختبرها، والأستاذة في جامعتها، والطبيبة في مستشفاها، والمهندسة في مشروعها، والأم التي تبني داخل بيتها أجيال المستقبل، فكل واحدة منهن تكتب فصلاً من قصة الإمارات.
«بنظهر الأقوى والأفضل».. كما أفهمها، حين قرأت شعار يوم المرأة الإماراتية «بنظهر الأقوى والأفضل»، توقفت عنده كثيراً.. فالقوة في نظري ليست أن نثبت أننا أفضل من الآخرين، وإنما أن نكون كل يوم نسخة أفضل من أنفسنا.
أن تكون المرأة قوية بعلمها، واثقة بهويتها، معتزة بقيمها، قادرة على اتخاذ قرارها، وفي الوقت ذاته مدركة أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بالمناصب وحدها، بل بالأثر الذي نتركه في حياة الآخرين، وهنا أجد نفسي في هذه العبارة.
فكل مرحلة مررت بها في حياتي، أكاديمياً وإعلامياً ومجتمعياً، أكدت لي أن الوصول ليس نهاية الطريق.. كل إنجاز يضع أمامنا مسؤولية جديدة، وكل موقع نصل إليه يعني أن هناك من تنظر إلينا وتقول: إذا استطاعت هي، فأنا أيضاً أستطيع.. وهذه مسؤولية كبيرة.
تمكين المرأة ليس قصة امرأة وحدها، ومن واقع تجربتي، لا أحب أن نتحدث عن نجاح المرأة وكأنه تحقق بعيداً عن محيطها.. فالمرأة الإماراتية نجحت داخل منظومة وطنية كاملة آمنت بها.. وراءها قيادة جعلت تمكينها جزءاً من مشروع الدولة، وأسرة شجعتها، ومؤسسات منحتها الفرصة، ومجتمع أصبح يرى نجاحها نجاحاً للوطن كله.
ولهذا فإن ما تحقق ليس انتصاراً للمرأة على الرجل، وإنما نجاح لشراكة وطنية آمنت بأن الرجل والمرأة معاً يصنعان المجتمع.. وهذه إحدى أجمل سمات التجربة الإماراتية في نظري.
ما يشدني أكثر في رؤية أم الإمارات 50:50 أنها لا تسأل فقط: ماذا حققت المرأة الإماراتية؟، بل تطرح سؤالاً أهم: أين نريدها أن تكون في المستقبل؟
نريدها في مواقع صناعة القرار، وفي الذكاء الاصطناعي والعلوم والتكنولوجيا والطاقة والاقتصاد والإعلام، وفي المنظمات والمحافل الدولية، ونريد في الوقت ذاته أن تبقى قريبة من أسرتها ومجتمعها وهويتها، فالحداثة بالنسبة لي لا تعني أن نتخلى عن جذورنا، بل أن ننطلق منها بثقة نحو العالم.
رسالتي لابنة الإمارات.. في هذا اليوم، لا أريد أن أقول للمرأة الإماراتية: كل عام وأنتِ بخير فقط.
أريد أن أقول لها: لا تجعلي ما تحقق قبلك سقفاً لطموحك، بل اجعليه نقطة البداية.
نحن جيل استفاد من فرص صنعتها نساء سبقننا، ومسؤوليتنا أن نصنع فرصاً أكبر لمن سيأتي بعدنا.
وأقول لطالباتي دائماً: لا تنتظرن المستقبل حتى يأتي، بل امتلكن العلم والمهارة والثقة التي تجعلكن جزءاً من صناعته، لأن أجمل ما يمكن أن نقدمه لوطننا ليس أن نفتخر فقط بما منحنا إياه، وإنما أن نسأل أنفسنا دائماً:
ماذا سنعيد نحن لهذا الوطن؟. وفي يوم المرأة الإماراتية، أقولها بفخر امرأة إماراتية عاشت هذه المسيرة وما زالت تؤمن بأن أجمل فصولها لم تُكتب بعد:
بنظهر الأقوى والأفضل.. ليس لأن الطريق كان سهلاً، بل لأن وطناً آمن بنا، ولأننا آمنا بأنفسنا، ولأن مسؤوليتنا تجاه الأجيال القادمة أكبر من كل إنجاز مضى.
