الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الفلسفة ولدت مرتين في الإسلام

25 أغسطس 2026 15:00 مساء | آخر تحديث: 25 أغسطس 16:59 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
الفلسفة ولدت مرتين في الإسلام
icon الخلاصة icon
الكتاب يدعو لقراءة الفلاسفة العرب كمنظومة مستمرة توفق العقل والدين وتؤثر عالمياً، ويرى الفلسفة وُلدت مرتين في الإسلام مع تعدد طرق الحقيقة
يشيع عن العصر الوسيط أنه «مظلم وكئيب وممل» ورغم ذلك كانت تلك الفترة ثرية جداً بالتأملات الميتافيزيقية والمنطقية، فعلى سبيل المثال يؤكد الفيلسوف الإنجليزي وايتهيد في كتابه «وظيفة العقل» أنه إذا كنا قد لاحظنا جيداً ازدهاراً خلال زمن عصر النهضة، فذلك لأننا خلال القرون السابقة قد شحذنا أداة العقل بواسطة أهداف تأملية.
يقدم هذا الكتاب وعنوانه «لماذا نقرأ الفلاسفة العرب؟» لعلي بن مخلوف، أطروحة فكرية تحاول إعادة الفلسفة العربية الإسلامية إلى مكانتها الطبيعية في المشهد الفلسفي العالمي، لا باعتبارها مجرد محطة تاريخية انتهى دورها، بل كبنية فكرية متكاملة ومستمرة، الفكرة الأساسية هنا أن العودة للفلاسفة العرب ليست مجرد حنين للماضي أو نبش في الكتب القديمة، بل هي ممارسة إبستمولوجية حقيقية لإعادة طرح أسئلة الوجود والعقل والمعرفة من داخل بيئة لغوية وثقافية متكاملة.

*محاولة جادة


يرى المؤلف أن التجربة الفلسفية من الكندي وحتى ابن رشد لم تكن مجرد ترف فكري، بل كانت محاولة جادة لبناء نظام عقلاني يستوعب الدين والعقل معاً دون أن يلغي أحدهما الآخر، المنطق في هذه التجربة لم يكن أداة جافة، بل كان مفتاحاً لفهم النص وتأويل الطبيعة في الوقت نفسه، وهو ما يمنحنا اليوم أدوات نقدية قوية لإعادة النظر في طريقة التعامل مع تراثنا.
المثير في طرح الكتاب الذي ترجمه إلى العربية د. أنور مغيث، هو كيفية تناوله للعلاقة بين العقل والنقل، فهو لا يراها على أنها صراع معطل كما يروج غالباً، بل كـ«توتر خلاق» ومحرك أساسي للإبداع، هذا التفاعل هو ما أنتج نظريات عميقة في طبيعة البرهان، والعلاقة بين الحكمة والشريعة، والربط بين اللغة والمنطق، وهي الأفكار التي تجاوزت حدود منطقتها وأثرت بشكل مباشر في الفكر الأوروبي الوسيط.
يسعى هذا الكتاب لأن يبين أن الفلسفة العربية كما تجلّت في الفترة من القرن الثامن إلى القرن الخامس عشر هي جزء لا يتجزأ من التاريخ الفكري للإنسانية، ويشهد على نجاح انتقال الفلسفة العربية إلى العالم الأوروبي، هذا التجهيل نفسه، نحن نستخدم اليوم حججاً من فلسفة العصر الوسيط العربية من دون أن نعرف أنه تمت صياغتها منذ نحو عشرة قرون مضت في عالم يمتد من قرطبة إلى بغداد، ويمكن أن نأخذ على سبيل المثال التمييز بين الجوهر والوجود الذي يسري في الفلسفة الكلاسيكية في القرنين السابع عشر والثامن عشر والذي صاغه ابن سينا، حينما كان يقرأ ميتافيزيقا أرسطو.

*تاريخ الحقيقة


الفلسفة العربية مثلها مثل الفلسفة الصينية وفلسفات أخرى، هي واحدة من طرق الولوج إلى تاريخ الحقيقة التي تتقاسمها البشرية، وأن يكون هناك مداخل مختلفة لا يعني أن بينها عدم اتصال، أن نقارن بين الثقافات من دون أن نجعلها متكافئة، كما يقول الفيلسوف مونتاني، لا يعني اختزالها الواحدة في الأخرى، بالتأكيد وإنما نحن نتواصل في ما بيننا، ونعيش على القول المشترك على أساس أن هذا القول نصفه ينتمي إلى من يقوله، ونصفه الآخر ينتمي إلى من يتلقاه، حسب تعبير مونتاني أيضاً.
يشير الكتاب إلى أن الفلسفة في اللغة العربية في العصور الوسطى عرفت تطوراً غير مسبوق، ويمكن القول مع عالم العصر الوسيط جان جوليفيه بأن «الفلسفة ولدت مرتين في الإسلام، أولاً في صورة اللاهوت الأصلي أو علم الكلام، ثم في صورة التيار الفلسفي الذي يتغذى على المصادر اليونانية».
الفلسفة العربية التي تكونت بوصفها كلاماً مبرهناً، بحثت لدى أرسطو عن وسائل لإضفاء الصلاحية على حججها، كيف فعلت ذلك؟ كيف شكلت مدخلاً إلى الحقيقة؟ يشهد على ذلك ابن رشد في بداية كتابه «فصل المقال» مصدر الفكر هو العقل، والوصول إلى الحقيقة هو استخدام المنطق الأرسطي والقياس.
الفلاسفة العرب على مدى أربعة قرون من الكندي في القرن التاسع إلى ابن رشد في نهاية القرن الثاني عشر، كان يحركهم دائماً الهم في جعل حقائق الفلاسفة القدماء متماسكة فيما بينها، منجزين بذلك جهد التوفيق بين أفلاطون وأرسطو الذي نجده في فقرات كثيرة من تاسوعيات أفلوطين.
شعار ابن رشد في القرن الثاني عشر هو: «لا يمكن لأحد أن يمتلك كل الحق»، إنه تتابع أجيال واستمرار مؤكد بين ثقافات مختلفة تقدم صورة له، إنها فكرة الحق ذي المسار الممتد عبر الأجيال والثقافات التي عبر عنها الكندي بكل قوة، ومن هذا المنظور يمكن أن نقرأ لدى كل واحد من هؤلاء الفلاسفة التزاماً بالحقيقة «إرادة الحقيقة» بحسب كلمات ميشيل فوكو.

*تعدد


التزام الفلاسفة العرب بموضوع الحقيقة لا يقدم نفسه بطريقة واحدة، إذا كان الجميع يلح على القول بأن الحق واحد وهو ذاته، فإنهم يقرون مع ذلك بأن المداخل إلى تلك الحقيقة متعددة واستراتيجية، بهذا المعنى، فإن هذا الالتزام هو «إرادة الحقيقة».
هذا الالتزام يندرج في تاريخ مشترك لجميع البشر، وقد جمعت اللغة العربية خلال سبعة قرون إنتاجاً فلسفياً، لم يدمجه تراث الإنسانية أي نقل الإرث المشترك للإنسانية بوصفه كذلك، من جانب ذابت الفلسفة العربية في فلسفة العصر الوسيط اللاتينية، ثم في فلسفة عصر النهضة وفي الفلسفة الكلاسيكية، وكان عدم ذكرها هو علامة نجاحها الكبير إلى حد ما، على غرار ما حدث مع الفلسفة الرواقية.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة