رسم الفنان الفلسطيني سليمان منصور لوحته الشهيرة (جمل المحامل) في العام 1973، وسمّيت أيضاً (العتّال الفلسطيني)، ثم أعاد رسمها مرة ثانية في العام 2014 بعد تدميرها في غارة أمريكية على ليبيا، وتمثّل اللوحة كهلاً فلسطينياً يحمل على ظهره مدينة القدس التي ترمز لكامل فلسطين، ويتجه ماشياً، محدوب الظهر وفوقه بلاده، إلى المجهول لكن هذا المجهول هو معلوم تماماً للفلسطيني، فربما كانت الهجرة، وربما كان النزوح، وربما كان المنفى، وربما كانت العودة، وفي كل الأحوال هو سيزيف الفلسطيني، يحمل الصخرة، ويصعد إلى جبل أحزانه، وتراجيدياته التي لم تنقطع منذ العام 1948، وإلى اليوم.
قبل أيام قليلة رحل سليمان منصور الذي دخلت لوحته تلك كل بيت فلسطيني تقريباً وبخاصة في المخيمات حيث اعتاد الناس على تعليق لوحات أو سجاجيد أو ملصقات على جدران بيوتهم حتى لو كانت من الصفيح، والمقصود بالصفيح هنا بيوت الزنك المتداعية التي كان يعيش بها الفلسطينيون، قبل وكالة الغوث الدولية، وقبل مساعدات الخيام الدولية الأوروبية، تلك المخيمات التي تحوّلت اليوم إلى بيوت من الأسمنت والحجر وبعضها من القرميد، لكن اللوحة لم تتبدّل ولم تتحوّل في كل رمزيتها التشكيلية والدرامية.
لقد تحوّلت إلى صفة وإلى استعارة من التاريخ ومن الذاكرة، تلك الاستعارة هي الحالة السيزيفية الفلسطينية الأسطورية. أسطورة الرحيل الشعبي الجماعي، وصعود الجلجلة إلى الأبد، الصعود الذي يقوم به حتى الكهل الفلسطيني وفوق ظهره صخرته.
أعود هنا إلى معلّقات جدران سكان المخيمات الفلسطينية، مثل سجادة الصلاة، أو آية الكرسي، أو أسماء الله الحسنى، وأذكر في الثمانينات لوحة ذلك الطفل الذي انسربت فوق خدّه دمعة مثل حبة الكريستال، وقد انتشرت تلك اللوحة شعبياً وعلى نطاق واسع حتى أن بعض سائقي الشاحنات كانوا يعلّقونها على زجاج مركباتهم الثقيلة، ولم تخرج لوحة (جمل المحامل) عن هذا التقبل العاطفي الشعبي العالمي، لتتحوّل بذلك إلى ملصق فلسطيني دولي تكثّفت فيه فلسطين على شكل أيقونة، لتخاطب العالم بلغة إنسانية يمثلها هذا السيزيف الفلسطيني الكهل.
تلك كانت مرحلة فلسطينية ثقافية ووجدانية انتهت اليوم، وما عادت رمزياتها تهمّ أولئك الذين كانوا يتضايقون من ناجي العلي أو حتى من سليمان منصور (وسيزيفيّته) المبدئية المباشرة.
انتهى زمن الملصق والشعار والفكرة، ولم يزل الكهل يمشي محدودباً، لكنه مثل شجرة الزيتون، يموت واقفاً.
