الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الكتابة برمش العين

28 أغسطس 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 28 أغسطس 00:05 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
لو قرأت قصيدة لشاعر معاصر يتحدث فيها عن الكتابة برمش العين، لوصفت ذلك الشاعر بأنه سوريالي، أو غير واقعي بالمرّة، إذ كيف تكون هناك كتابة بالرمش أو بالجفن، هل يُعقل هذا من باب المنطق والواقع، لكن، قصة الكاتب والصحفي الفرنسي جان دومينيك بوبي ليست سوريالية ولا هي من باب الخيال، ولعلّ القارئ يعرف وقائع الحادث الذي تعرّض له بوبي وهو في الثالثة والأربعين من عمره في العام 1996، وأصيب جراء ذلك بشلل كامل باستثناء بقاء عقله في حالة وعي تتيح له تحريك رمش جفن عينه اليسرى فقط.
قرّر جان دومينيك بوبي تأليف كتاب يحكي معاناته مع الشلل (معاناة العيش داخل جسد عاجز لكنه يعمل بالعقل) كما يقول، فقد كانت إحدى الممرضات تملي عليه حروف اللغة الفرنسية، وعند حاجته إلى حرف مُعين كان يرمش لها بجفنه، وهكذا، كانت تذكر له الحروف وهو يرمش، ليكون بذلك الكلمة تلو الكلمة، والجملة تلو الجملة، وتقول مصادر حكاية جان دومينيك أنه (ألّف الكتاب وحرّره بالكامل داخل عقله).
في النهاية، وبعد مرور نحو ستة شهور على هذه التجربة الإعجازية في التأليف، صدر الكتاب في العام 1997 بعنوان لافت وجميل، لقد سمّاه دومينيك «بدلة الغوص والفراشة»، وترجم إلى ثلاثين لغة حول العالم منها العربية، وتحوّل إلى فيلم سينمائي.
ولكن، هل، هناك معجزة حقاً في هذه القصة الواقعية تماماً، بل، الحقيقة أنه لا معجزة ولا أسطورة أمام القوّة الخارقة الاستثنائية لإرادة الإنسان حتى وهو مشلول بالكامل، ومكبّل إلى سرير بارد يحدّده ككائن شبه ميت، ولا يتحرك فيه سوى رمش عينه.
قوّة الإرادة أمر مفروغ منه في هذه القصة، لكن هناك دافع آخر لهذه القوّة عند جان دومينيك وهو دافع الكتابة في حدّ ذاتها، فهو حين قرّر وضع هذا الكتاب، إنما كان يستجيب لنداء الكتابة في داخله، وهو في الواقع نداء الحياة، ففي كل دقيقة كانت تمر عليه وهو يملي الحروف على مساعدته الممرّضة برمش عينه إنما كان يتعلّق بالحياة، ذلك التعلّق النهائي والأخير، وهو يغوص في (بدلة) كبّلته تماماً، ولكن روحه كانت تحوم وتدور مثل الفراشة.
قصة دومينيك هي في الواقع قصيدة قصيرة، أو رواية طويلة، ويستطيع أي شاعر أو روائي أن يعيد صياغتها من المنظور الإنساني الذي يراه، لكن دومينيك نفسه سبق الشاعر والروائي والسينمائي في الكتابة، وقد كتب قصته بنفسه، وباختصار، (150 صفحة فقط) برمش العين، كما لو أن تلك الصفحات كانت الكلام الأخير الذي ينبغي عليه أن يقوله وهو في بدلة الغوص العجيبة تلك، وبتركيز لا مثيل له.. وهل هناك ما هو أكثر تركيزاً من عين الإنسان؟.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة