اختار الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ مسؤولاً تكنوقراطياً مخضرماً لتولي منصب وزير المالية الجديد، وذلك في تعديل وزاري مفاجئ جرى خلال عطلة نهاية الأسبوع، في خطوة تهدف على ما يبدو إلى كبح تراجع معدلات التأييد الشعبي.
وقد تم ترشيح لي هيونغ إيل (55 عاماً)، والذي يشغل حالياً منصب النائب الأول لوزير المالية، يوم الأحد لتولي منصبي نائب رئيس الوزراء ووزير المالية والاقتصاد.
وفي حال المصادقة على هذا التعيين، سيتولى المسؤول الجديد إدارة اقتصاد يعاني من اختلالات متزايدة؛ حيث يخفي الازدهار في قطاع الرقائق الإلكترونية - المدفوع بتطورات الذكاء الاصطناعي - ضعفاً في خلق فرص العمل، واستمراراً لمعدلات التضخم، وضغوطاً في سوق الإسكان.
وسيكون بذلك ثاني مسؤول اقتصادي في الإدارة الحالية، خلفاً لكو يون تشول الذي تولى المنصب قبل عام تقريباً.
ضغوط سياسية
يأتي هذا التعديل الوزاري في وقت يواجه فيه الرئيس «لي» ضغوطاً سياسية متزايدة؛ إذ انخفضت نسبة تأييده بمقدار 3 نقاط مئوية مقارنة بالأسبوع السابق لتصل إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 42%، وذلك وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة «غالوب كوريا» في الفترة ما بين 25 و27 أغسطس. كما تجاوزت نسبة التقييمات السلبية لأدائه حاجز الـ 50% لأول مرة.
الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ
ويبدو أن توقيت التعديل الوزاري قد فاجأ الحكومة نفسها؛ فقد أفادت وسائل إعلام محلية بأن «كو» ألغى رحلة لحضور اجتماع مجموعة العشرين (G20) قبيل الإعلان عن التعديل، ثم تراجع عن قراره لاحقاً.
وأوضحت وزارة المالية لاحقاً أن الوزير المغادر قد غادر بالفعل متوجهاً إلى مدينة «آشفيل» بولاية كارولينا الشمالية.
النمو على شكل «كيه»
وتضع هذه الخطوة المفاجئة خبيراً مخضرماً في مجال السياسات الاقتصادية الكلية في قلب جهود الرئيس «لي» لمعالجة ما يُعرف بـ «النمو على شكل حرف كيه» (K-shaped expansion) في الاقتصاد؛ وهي حالة تتناقض فيها الصادرات القياسية للرقائق والأرباح الضخمة للشركات العاملة في هذا القطاع مع الأوضاع المتعثرة في صناعات أخرى والضغوط المتزايدة على ميزانيات الأسر.
ويأتي ترشيح «لي» ضمن تعديل حكومي أوسع يشمل مرشحين جدداً لقيادة وزارات الدفاع، والعدل، والأراضي، والشركات الصغيرة، والمساواة بين الجنسين.
كما أعلن «البيت الأزرق» (المقر الرئاسي) عن تعيينات لمسؤولين كبار للتركيز على ملف الذكاء الاصطناعي والمشاريع الاستثمارية الحكومية الكبرى.
مسؤول تكنوقراطي مخضرم
وُلد «لي» في مدينة «دايغو» عام 1971، واجتاز امتحان الخدمة المدنية في كوريا الجنوبية عام 1992 أثناء دراسته للاقتصاد في جامعة سيول الوطنية. وحصل لاحقاً على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة «تكساس إيه آند إم».
أمضى «لي» أكثر من ثلاثة عقود في العمل الحكومي، وشغل سلسلة من المناصب الرئيسية في قسم السياسات الاقتصادية بوزارة المالية، وذلك عبر فترات شهدت تغيرات في القيادة السياسية. وفي عهد الرئيس السابق «مون جاي-إن»، عمل مساعداً رئاسياً رفيع المستوى.
كما احتفظ بمنصب قيادي في عهد الرئيس المحافظ «يون سوك-يول»، حيث ترأس هيئة الإحصاء الكورية (المعروفة حالياً باسم وزارة البيانات والإحصاء).
الأولويات
ويشير هذا الترشيح إلى أن الإدارة تضع الخبرة واستمرارية السياسات على رأس أولوياتها، في مسعاها لتعميم فوائد الطفرة في قطاع أشباه الموصلات على نطاق أوسع في الاقتصاد.
وصرح «لي» عقب ترشيحه بأنه سيوظف مشروع الاستثمار الحكومي الضخم في مجال الرقائق الإلكترونية لخلق فرص جديدة، وإرساء الأسس لانتعاش النمو المحتمل. كما تعهد باستغلال الحيز المتاح للسياسات -الذي أتاحته طفرة أشباه الموصلات- لمعالجة التفاوت الاقتصادي ودعم سبل العيش.
ارتفاع التضخم
يُذكر أن معدل التضخم في كوريا الجنوبية ظل أعلى من المستهدف الذي حدده البنك المركزي عند 2% طوال معظم فترات العام، كما تراجعت معدلات التوظيف بين الشباب لما يقرب من أربع سنوات، في حين أخفقت مجموعة من اللوائح التنظيمية في سوق العقارات في خفض الأسعار أو تقليص الطلب، مما أثار انتقادات ومطالبات بالمراجعة من جانب المشرعين وأصحاب المنازل.
وفي إطار تعديل وزاري أوسع نطاقاً، تمت ترقية نائب وزير الأراضي الثاني ليتولى قيادة الوزارة المعنية بسياسات الإسكان، بينما عُيّن مشرّع من الحزب الحاكم وزيراً جديداً للعدل خلفاً لـ «جونغ سونغ-هو»، الذي استقال الأسبوع الماضي بعد إشرافه على عملية إصلاح مثيرة للجدل لمكتب الادعاء العام في البلاد.
استبدال وزير الدفاع
وتأتي خطوة استبدال وزير الدفاع بعد فترة وجيزة من قرار الرئيس دونالد ترامب -بشكل أحادي- تقليص التدريبات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، مستشهداً بـ «علاقته الجيدة للغاية» مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون.
وكان «آهن غيو-باك» -وهو مشرّع انتُخب لعضوية البرلمان لخمس دورات قبل أن يصبح وزيراً- أول وزير دفاع في كوريا الجنوبية لا يمتلك خلفية عسكرية منذ عقود؛ وقد عُيّن في منصبه بينما كان الجيش الكوري الجنوبي لا يزال يعاني من تداعيات أزمة إعلان الأحكام العرفية التي تسبب فيها الرئيس السابق «يون».