بيننا.. بين ظهرانينا.. قد يكون أب أو أم، زوجٌ أو زوجة، أخٌ أو أخت، ابنٌ أو بنت، خالٌ أو خالة، عمٌ أو عمة، جدٌ أو جدة، حبيبٌ أو حبيبة، صديق أو رفيق، شخص ما، قريبٌ من القلب، ملء السمع، حضوره بهاء وسعادة وأنس، حديثه يطرب الآذان، رؤيته متعة للنظر، لقياه بهجة و«شوفته غنيمة» كما نقول في الإمارات. تسرق الوقت لتكون بقربه، فقربه حظوة، ومجالسته علم ومعرفة وسكينة.
ولكن لقسوة الأيام، تتغير الأحوال، ويأخذ الزمن دورته، فينقلب الصفو كدراً، ومن كان حاضراً كأنه ملء العين والسمع، يصبح حاضراً غائباً، حياً يتنفس، لكنه غائب، إما غياباً مرضياً وإما غياباً نفسياً أو انزواءً شخصياً أو قسرياً، وكلها لها تبعات تجرح الروح وتدمي القلب.
يا ترى ما الذي يدفع أي شخص كان مهما كانت الأسباب إلى الانسحاب والانزواء، وممارسة الغياب وهو بخير وليس به من علل الزمان أي علة مرضية تمنعه من الناس، بالطبع نجد للمريض حجته، وللكهل كبير السن أسبابه، لكن إذا كانت الصحة حاضرة فلماذا الغياب والمثل يقول «جنه من غير ناس ما تنداس»، ففي الاجتماع بالناس سلوى وراحة اجتماعية ونفسية، فلماذا يقسو البعض على نفسه ويعلن الغياب والابتعاد، هل مرد ذلك لمواقف معينة أم هو هروب من واقع اجتماعي صعب، يُفقدُ القلب وهجه ويفت من جذوة الروح للناس، فتكون الراحة في الانزواء والبعد والخلوة.
كم هو صعب غياب من سكنوا القلب وشاركونا الحياة والأصعب منه غيابهم وهم ما زالوا يتمتعون بالحياة، ويرفلون بالصحة، نجد ألف ألف عذر لمن أقعده المرض وهزت مفاصله سنين العمر فلجأ للصمت اختياراً يمارس من خلاله التعامل مع بقية العمر، خصوصاً أولئك العصاميين الذين كدحوا الحياة كدحاً وصنعوا طريقهم بأظافر أيديهم وعرق جبينهم، فصعبت عليهم نفوسهم، فكان اللجوء للصمت خيار من أنهكته الدنيا وأذبلته السنين وهده الجسد. وحتى مع العذر الذي نمنحه، يبقى غيابهم الحاضر وذبولهم أمام أعيننا وجعاً يدمي القلب وهمّاً يرزح على الروح.
كم هو قاسٍ غياب الحاضرين الذين عرفناهم فكان قربهم فرحاً وعلماً ومعرفة وعطاءً وسعادة ولا نجد لغيابهم مبررات وأعذاراً وأجوبة.
