ليس لدينا في الوطن العربي صحافة ثقافية إحصائية تهتم بمؤشرات تراجع أو نموّ صدور كتب الرواية أو الشعر أو الدراسات والبحوث النقدية على غرار ما هو موجود في فرنسا مثلاً، إذ تهتم مجلة «ليفر إبدو» بمثل هذه الإحصائيات التي تؤشر على حركة سوق الكتاب وصناعته ومبيعاته، وبالتالي، معرفة مزاج القارئ وإلى أي نوع من الكتب يتجه، ويقرأ.
في التقرير المهني للكاتبة والصحفية أنيسة مخالدي المنشور أمس في «الشرق الأوسط»، نقرأ إحصائية مجلة «ليفر إبدو» التي تفيد بتراجع مبيعات الكتاب الجديد في فرنسا في النصف الأول من 2026 بنسبة 6.2٪، فيما اتسع سوق الكتاب المستعمل حتى صار ينافس الكتاب الجديد على شريحة معتبرة من القراء.
لماذا ليس لدينا صحافة استقصائية تبحث عن الأرقام والنسب المئوية ونموّ وصعود سوق الكتاب؟
ربما يعود ذلك إلى عدم وجود سوق أصلاً بالمعنى المهني لحركة التداول الاقتصادية اليومية، وأيضاً، ربما يعود غياب أو انعدام صحافة الإحصاء والاستقصاء إلى عدم وجود ظواهر تجارية أو اجتماعية أو حتى ثقافية مثل ظاهرة إقبال القارئ على الكتاب المستعمل إلى درجة منافسة الكتاب الجديد، والتفوّق في أسواقه التداولية.
كل هذه المؤشرات بدءاً من الصحافة وانتهاءً بالسوق تقول لنا نحن العرب إن هناك قارئاً أُوروبياً محترفاً، يستطيع بشرائه الكتب أن يقلب القواعد النمطية الثابتة، فالكتاب الجديد ليس بالضرورة هو الأوسع انتشاراً عند القرّاء، بل، يستطيع القارئ، والقارئ وحده، أن يغيّر حركة سوق الكتاب حين يعود إلى الأدبيات الكلاسيكية والروايات القديمة، وقد أشارت أنيسة مخالدي إلى ما سمتها (المتعة السردية) التي تنطوي عليها الأعمال الأدبية القديمة.
هذا من ناحية مهنية أو صحفية، لكنَّ هناك جانباً عاطفياً شخصياً لدى القارئ يجذبه ربما على نحو فطري للذهاب إلى المكتبات والأسواق القديمة التي تبيع الكتب المستعملة، فلعله يجد هنا في مثل هذا الأفق العتيق شيئاً من ماضيه، بل، ربما يستعيد طيفاً من شبابه وقراءات ذلك الشباب الذي مضى بلا رجعة، ولم يتبق سوى الذاكرة النائمة في الكتب، وإذ، تستيقظ ذاكرة الإنسان، فإنها تعيده إلى طفولته.. طفولة الكائن الإنساني، وطفولة القارئ الذي يتقدم في العمر، فيما تبقى الكتب شابّة وجميلة، حتى لو كانت مُستعملة.
