غالباً ما ينحصر النقاش حول دور الحكومة في الاقتصاد في سؤال واحد: هل توزيع الثروة عادل؟
هذا سؤال جدير بالطرح، لكنه يتجاهل جانباً أكثر جوهرية. فقبل أن يقرر المجتمع كيفية تقسيم الثروة، عليه أن يفهم أولًا من أين تأتي الثروة.
يقدم التاريخ إجابة متسقة إلى حد كبير، فالمجتمعات التي تسمح للأفراد باتخاذ قراراتهم الاقتصادية بأنفسهم - من شراء وبيع واستثمار ومنافسة - تُنتج ثروة أكبر من تلك التي تحاول فيها الحكومات توجيه الإنتاج. والسبب ليس أن رواد الأعمال أذكى من البيروقراطيين، بل لأن الأسواق تحل مشكلة لم يسبق لأي مخطط مركزي أن واجهها.
ففي كل صباح، ودون أي توجيه مركزي، يقرر ملايين المستهلكين ما يشترونه، وتقرر ملايين الشركات ما تنتجه. بطريقة ما، تُملأ رفوف المتاجر، وتُزود محطات الوقود، وتظهر منتجات جديدة تحديداً عندما يرغب فيها عدد كافٍ من الناس.
الأسعار هي ما يجعل هذا ممكناً. فارتفاع السعر يُشير إلى الندرة، ما يجذب موردين جدداً. وانخفاضه يُشير إلى الفائض، ما يدفع الموارد إلى أماكن أخرى. أما الربح فيُخبر الشركة أنها تُنتج شيئاً ذا قيمة للناس. والخسارة تُشير إلى ضرورة التوقف. يُعالج هذا النظام كمية هائلة من المعلومات - تفضيلات وقيود ومعرفة محلية لمئات الملايين من الأفراد - في الوقت الفعلي، دون أي جهة مسؤولة.
وقد سبق أن حدد فريدريك هايك هذا المبدأ في عام 1945 باعتباره المشكلة المركزية للتنظيم الاقتصادي. لا تستطيع أي جهة حكومية جمع هذه المعرفة المتناثرة والتصرف بناءً عليها بالسرعة التي تستطيع بها الأسواق. كما حاول الاتحاد السوفييتي ذلك لسبعة عقود. وكانت النتيجة نقصاً مزمناً في السلع الأساسية إلى جانب مستودعات مليئة بمنتجات لا يرغب فيها أحد - لأن المخططين كانوا يُخمّنون ما يُقدّره المستهلكون بدلاً من قراءة مؤشرات الأسعار التي تُخبرهم بذلك مباشرةً.
الحرية الاقتصادية تُحقق شيئاً آخر لا تستطيع الأسواق وحدها تحقيقه: فهي تُوَائم بين ما هو جيد للفرد وما هو جيد للجميع.
عندما يطور رائد أعمال منتجاً أفضل، أو يخفض التكاليف، أو يكتشف عملية أكثر كفاءة، فإنه يحقق ربحاً. هذا الربح يجذب المنافسين الذين يخفضون الأسعار ويرفعون الجودة. إما أن يتكيف المبتكر الأصلي أو يخسر حصته في السوق. والمستهلكون رابحون في كلتا الحالتين.
يواجه المخططون الحكوميون هيكل حوافز مختلفاً حيث يُقاس النجاح بحجم الميزانية، والأولويات السياسية، ودورات الانتخابات - وليس برضا المستهلك. وبدون الربح والخسارة كآلية تغذية راجعة، لا توجد إشارة موثوقة تُخبر المخططين ما إذا كانت الموارد تُستخدم بشكل جيد أم تُهدر.
بدا كل منتج رائد تقريباً وكأنه فكرة سيئة قبل أن ينجح. كان فرن الميكروويف مجرد خطأ في الرادار. تم رفض شركة «إير بي إن بي» لكونها فكرة غريبة جداً بحيث لا يمكن توسيعها. وتكبدت أمازون خسائر لسنوات قبل أن يصدق أحد أنها ستنجو.
تتيح الأسواق لآلاف رواد الأعمال إجراء تجارب في وقت واحد. يفشل معظمهم، بينما ينتشر الناجحون بسرعة لأن الشركات الأخرى تحذو حذوهم. أما المشاريع الفاشلة، فتُعيد توظيف عمالها ورؤوس أموالها وأفكارها في الاقتصاد، حيث تُعاد صياغتها في منتجات جديدة.
ويركز التخطيط الحكومي القرارات في أيدي قلة، ما يُبطئ وتيرة التجارب.
* كاتب وباحث في الاقتصاد والأسواق والتمويل الشخصي في معهد ميزس «ريال كلير ماركتس»
