في مشهد انتخابي يبدو مألوفاً، قدّم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عرضاً على الأمريكيين بمدفوعات مباشرة بقيمة 5000 دولار لكل مواطن بالغ، وذلك خلال المؤتمر الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي في دالاس. لكن هذا الوعد ليس الأول من نوعه، بل يأتي ضمن سلسلة طويلة من الوعود النقدية التي أطلقها ترامب خلال الشهور التسعة عشر الماضية، ولم يتحقق أي منها تقريباً.
وتكشف مراجعة لتاريخ هذه الوعود عن نمط متكرر، يبدأ بإعلانات مدوية عن عوائد نقدية سخية، تليها موجة من التشكيك في جدواها القانونية والاقتصادية، ثم أفولها بصمت دون تنفيذ، وتمثلت تقريباً وفي أربعة وعود كبرى.
عائد DOGE بقيمة 5000 دولار
في أوائل 2025، اقترح ترامب منح الأمريكيين استردادات نقدية ممولة بالأموال التي قيل إن «إدارة الكفاءة الحكومية»(DOGE) وفّرتها، حيث وصفها بأنها «شيكات عائد DOGE بقيمة 5000 دولار!»، وبحسب ما تم رصده فقد بالغت إدارة ترامب بشكل صارخ في تقدير عوائد إدارة الكفاءات الحكومية، التي لم توفر أي مبلغ قريب من ذلك، وفي النهاية لم يحصل الأمريكيون على المبلغ.
عائد الرسوم الجمركية بقيمة 2000 دولار
وفي نوفمبر 2025، اقترح ترامب عائداً بقيمة 2000 دولار تموّله الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة على كل دولة تقريباً. واعتبر مراقبون أن هذا الوعد كان أقرب إلى تعهد حديدي، إذ أعلن أن الأمريكيين «سيُدفع لهم» المال، ووصف معارضي رسومه الجمركية بأنهم «حمقى».
لكن خبراء اعتبروا أن الوعد كان مبنياً على مزاعم مبالغ فيها بأن الرسوم الجمركية جعلت الحكومة الفيدرالية غنية فجأة، وكانت النهاية عدم وصول المال إلى الموعودين.
بديل إعانات أوباماكير
وفي ديسمبر 2025، طرح ترامب فكرة منح متلقي أوباماكير 1000 إلى 1500 دولار بدلاً من تجديد إعاناتهم الصحية المنتهية، وفي النهاية لم يحصل الأمريكيون على أي شيء.
عائد الـ5000 دولار لانتخابات التجديد النصفي
وفي سبتمبر الجاري، تعهد ترامب بمنح 5000 دولار لكل أمريكي بالغ إذا حافظ الجمهوريون على سيطرتهم على مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات نوفمبر، بشرط أن يُنفق المال داخل الولايات المتحدة. وقال: «لا نريدكم أن تذهبوا إلى كندا لإنفاق المال. لا نريدكم أن تذهبوا إلى الصين، إلى ألمانيا».
وقارن ترامب الوعد بعائد «المحارب» بقيمة 1776 دولاراً الذي قُدّم لأفراد الخدمة، وأشاد بـ«حسابات ترامب» للأطفال المولودين خلال ولايته الثانية.
ويتوقع أن تبلغ كلفة الوعد في حال تحقيقه نحو 1.3 تريليون دولار، لكنّ الكثيرين يشككون في منطقيته واحتمال الوفاء به، في حين وصفه البعض وخاصة الديمقراطيون ب"الرشوة الانتخابية".
مفارقة.. اتهامات ترامب لمنافسيه بالرشوة
لطالما شجب ترامب نفسه مفهوم شراء الأصوات، متّهماً الديمقراطيين بمحاولة ذلك حتى عندما لم يكن هناك مقايضة صريحة، ففي 2016، وصف بأنه «رشوة» أن تطرح حملة هيلاري كلينتون فكرة إبقاء لوريتا لينش مدعياً عاماً، حتى بينما كانت وزارة العدل تحقق في استخدام كلينتون لخادم بريد إلكتروني خاص. وقال: «إنها رشوة».
وفي 2020، شجب محاولة مايكل بلومبيرغ مساعدة مجرمين سابقين على التصويت عبر دفع غراماتهم. وسأل: «هل يُسمح لك أن تقول للناس: اذهبوا وصوّتوا. سأدفع فاتورتكم؟» قبل أن يقول إن ذلك شراء أصوات.
وفي 2024: اتهم ترامب سلفه جو بايدن بمحاولة شراء أصوات عبر مشاريع البنية التحتية وإعفاء ديون قروض الطلاب. وقال: «هذه كانت طريقة لمحاولة شراء أصوات».
لماذا الوعد مستبعد الحدوث؟
ومالياً، فإن محاولة الوفاء بهذا الوعد، وحتى لو جرى دفعه من عوائد الرسوم الجمركية كما ألمح نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، فإنه سيكلف الحكومة الأمريكية مبلغاً طائلاً بالنظر إلى أن الميزانية التقديرية الكاملة للحكومة الفيدرالية في السنة المالية 2026 هي 1.6 تريليون دولار فقط. بينما تجاوز الدين الوطني 40 تريليون دولار الشهر الماضي.
كما سيتطلب الأمر موافقة الكونغرس، وهو أمر يبدو غير مرجح جداً، فضلاً عن المخاطرة بإشعال التضخم.
وتقول مايا ماكغينياس، رئيسة لجنة الميزانية الفيدرالية المسؤولة (مركز أبحاث غير حزبي): «إذا كان الهدف هو زيادة الاقتراض، ورفع أسعار الفائدة، وإضعاف الاقتصاد على المدى الأطول، وتفجير الدين، ودفع التضخم إلى الارتفاع، وإجهاد أطفالنا بمزيد من الديون — فهذا ما سيفعله».
وأضافت: «مع كفاح الأمريكيين مع مخاوف حقيقية تتعلق بالقدرة على تحمل الكلف، وبينما تكاد أسواق السندات تتوسل من أجل ضبط مالي، ليس هذا وقت إطلاق وعود غريبة تفجّر الميزانية».
انتقادات جمهورية وديمقراطية
كتب جو لونسديل، الشريك المؤسس لشركة بالانتير، على منصة إكس أنه بينما يريد فوز الجمهوريين، فإنه «يعارض بشدة رشاوى الخبز والسيرك». كما وصف بوب غود، النائب الجمهوري السابق من فرجينيا، الوعد بأنها «مخطط ترامب الاشتراكي لشراء الأصوات عبر عائد الـ5 آلاف دولار»، بحسب سي إن إن.
وقال غافين نيوسوم، حاكم كاليفورنيا، والمرشح الديمقراطي المحتمل في الانتخابات المقبلة: «دونالد ترامب يريد الآن شراء صوتك مقابل 5000 دولار من أموال دافعي الضرائب»، كما قال النائب الديمقراطي دان غولدمان: «الكونغرس وحده يمكنه تقديم هذا الوعد.. مقترح فاسد وغير قانوني بشكل صارخ».
موقف البيت الأبيض
أما نائب الرئيس جي دي فانس حاول التراجع عن الوعد، قائلاً لقناة فوكس نيوز: «ما يتحدث عنه الرئيس هو عائد للعمال الأمريكيين»، في ما بدا تضييقاً لدائرة المؤهلين من جميع الأمريكيين البالغين. وقال المتحدث ديفيس إنغل إن ترامب «أثبت باستمرار أن المشككين فيه مخطئون» و«سيواصل تحقيق نتائج حقيقية».