من قراءات هذا الشهر استوقفني عدد الرحالة الأوروبيين الذين مرّوا في منطقة الخليج العربي، وبخاصة في عُمان في أثناء هيمنة البرتغاليين على المنطقة من عام ١٥٠٧ حتى عام ١٦٥٠، وبالطبع لا تنسى الذاكرة العربية الخليجية إجرام وبشاعة اثنين من قادة الغزو البرتغالي: البوكيرك، والأسوأ منه قائد آخر هو اندرادي، لكن في الوقت نفسه لا تنسى الذاكرة نفسها بطولات وشهداء وصمود أهل المنطقة والدفاع الرجولي عن بلادهم وتاريخهم العريق الذي تتوّج بطرد البرتغاليين وبقاء الخليج على عروبيّته وذاكرته التاريخية.
وأذكر هنا، استناداً إلى بحث د. طارق نافع الحمداني، عدداً من أولئك الرحالة الذين مرّوا بالمنطقة، وكتبوا في ما بعد مذكراتهم ويومياتهم التي لا تصلح بالطبع كمصادر للتاريخ، وذلك لانحياز الكثير من أولئك الرحالة للبرتغاليين ومنهم بحسب د. الحمداني: دورات باربوسا، وفرانسيسكو الفارز، وبيدرو تكسيرا، وبيترو ديللا فاليه، وجان باتست تافرنيه، ومانويل غودنهو..
وباختصار، لم يبق من سيرة البوكيرك، وغيره من مرضى العنف والاضطهاد، سوى الروايات التي تحكي عن نموذج الإنسان حين يتحوّل إلى وحش.
ومن قراءات هذا الشهر استوقفني أيضاً مقولة تقوم على الكناية الذكية، وكان يستخدمها أجدادنا اللغويون القدامى،.. ومن قول العرب: «فلان تُضرَبْ إليه أَكبادُ الإِبل» أي يُرْحل إليه في طلب العلم وغيره.
وكان الشاعر العربي يقول..
قد عوّدَ الطيرَ عاداتٍ وَثِقْنَ بها
فهنّ يَتْبَعنَه في كلِّ مُرْتحلِ..
وهي أيضاً كناية عربية ذكية تفيد معنى الكرم، فالطير كانت تتبع ذلك العربي أينما حلّ وارتحل، وقد اعتادت عليه، وعلى عطائه، وأظن، وبعض الظن حقيقة ومعرفة أنه لا توجد لغة في العالم تحمل مثل هذه الكنايات الدلالية في كلمات قليلة، وقد اختصرت العرب هذا الإيجاز اللغوي البلاغي في ثلاث كلمات: «ما قَلَّ ودلّ». بعيداً عن الثرثرة والمبالغة في الشرح والتوضيح.
ومن القراءات التي تفضي إلى استنتاج، تلك القراءات الثانية لأعمال أدبية كان المرء قد قرأها في شبابه الأول، وحين قرأها ثانية وهو في سن الشيب، يكتشف أن ما قرأه آنذاك كان ساذجاً، بل وأحياناً كان أدباً سطحياً، لكنه في زمنه الأدبي ذاك قد جلب الشهرة والنجومية لكاتبه، وعلى سبيل المثال بعض قصص مجموعة (النمور في اليوم العاشر) للكاتب المبدع زكريا تامر، هي على درجة كبيرة من السذاجة والتسطيح «صدرت المجموعة قبل نحو ٥٠ عاماً في طبعتها الأولى»، ولو أعيدت كتابة تلك النصوص من جديد، لأصابها الكثير من التعديل، والإضافة والحذف، والتبديل.
