الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أجدادنا الورّاقون

7 سبتمبر 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 7 سبتمبر 00:07 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
٪95 في المئة من مصادري الثقافية تعود إلى الكتب لا مواقع الإنترنت، ولا غوغل، ولا الذكاء الاصطناعي. وما اللجوء إلى الكمبيوتر سوى للحصول السريع على معلومة أو رقم أو تاريخ، ويظل هاجس الشك قائماً دائماً في حال الاعتماد على الثقافة الرقمية أو الكمبيوترية، وهو هاجس يتحول إلى نوع من الفوبيا، وذلك لأن القارئ أحياناً يعرف أكثر من الكاتب، ومرجعياته المعرفية أكثر دقة، وهناك قارئ عربي مازال حتى الآن لا يثق إلاّ بالكتب، ويشعر بأنه ربما ينخدع بالكمبيوتر ومعلوماته التقنية الجاهزة.
قرّاء الكتب هؤلاء هم القرّاء الذين يطلق عليهم الكلاسيكيون، أو التقليديون، إن صحّت المقاربة بين المصطلحين، وهؤلاء أيضاً، هم قرّاء المكتبات، مكتبات بيوتهم والمكتبات العامّة التي تُسمّى بيوت الكتب أو بيوت العائلة القارئة.. عائلة الورق والحبر والكتابة.
كل هذا لا يعنى أن القراءة من المواقع الإلكترونية محاطة بالشك والريبة تجاه المادة المقروءة، فالكتب المحمّلة على تلك المواقع هي ذاتها الكتب الورقية، ولا مجال للعبث فيها، لكن الشك دائماً يتجه إلى الكثير من المعلومات التي يذكرها كتّاب هذه المواقع، أو تلك التي تحصل عليها عن طريق خدمة الذكاء الاصطناعي.
نعيش بالفعل مرحلة ثقافية حرجة صارت معها المعرفة متاحة للجميع بسهولة وبسرعة، ولأنها معرفة سريعة، فمن المتوقع دائماً أن تكون عرضة للشك.
نقطة أخرى أشير إليها تتصل بالقراءة من الكتب، فهذه من الناحية الصحية هي الأفضل، ذلك أن القراءة اليومية والطويلة من خلال شاشة الكمبيوتر قد تؤدي إلى تبعات سلبية في الرؤية، في حين أن القراءة من الكتب لا تترك أثراً سلبياً على عيني القارئ بالقدر الذي تتركه قراءة الشاشة الضوئية.
قراءة الكتب متعة بصرية ونفسية وروحية، فأنت في لحظة القراءة تتماهى مع اللغة والورق والحروف المصفوفة بجماليات إخراجية ذات صلة مباشرة بالكتاب الذي يتحوّل بين يديك إلى كائن حَيّْ.
قراءة الكتب أيضاً، هي عودة إلى ذاكرة القرّاء القدامى قبل اختراع الكمبيوتر، أولئك (العتاقي) أهل المخطوط والرقاع ولفائف الجلد أو صفائح المعدن والحجر.. أولئك الحرفيون والخطاطون والنسّاخ، ومن بعدهم جاء المطبعيون الذين كانوا يصفّون الحروف المعدنية بأصابع أيديهم التي تتشكل بالحبر الأسود، وتنشر رائحة مكانية حميمة هي رائحة المطبعة.
أهل القراءة الصناعية الحديثة أو المعاصرة لم يعرفوا التاريخ الحبري والورقي ذاك، ولم يعرفوا المطبعة ولا عمّال المطابع حيث يهدر صوت الآلات الضخمة المزروعة في صميم الأرض، كما لو أنها ترمز إلى روح الإنسان الذائبة أبداً في أديم الترابْ.
أكتب عن مرحلة ثقافية ومهنية لم تنته بعد تماماً، ولن تنتهي، ذلك أن هناك بعض المطابع العتيقة مازالت تعمل في بعض الأحياء التاريخية في المدن التي تحتضن في ذاكرتها حتى اليوم صور الورّاقين (الجدوديين) أهل القلم والورقة والحبر.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة