أثبت عدد من دراسات مجال الاقتصاد العصبي، وهو علم بيني يقوم على الاقتصاد السلوكي وعلم الأعصاب، أن ثقافة الثقة والتعاون التي يمكن أن يعيش في إطارها الإنسان، تساهم في تنشيط مناطق بالدماغ، وتزيد من مستوى هرمون الأكسايتوسين الذي يقلّل من الشعور بالقلق، ويحفّز على مشاركة الآخرين لإيجاد حلول مشتركة للمشكلات، وذلك باستخدام تقنيات مختلفة.
بقدر ما أكدت هذه النتائج الملاحظات والخبرات والافتراضات النظرية السابقة، فإنّها عززت منهجيات الإدارة ورؤى القادة المطالبة بإشاعة مناخ الثقة في كلّ مكان. فالثقة وسيلة للازدهار ومتطلب سابق لنجاح أيّ تفاعل اجتماعي، سواء على مستوى الأسرة أو الأصدقاء أو المنظمات أو المجتمعات والدول.
ويركّز الموظفون، وفقاً لمدير مركز دراسات الاقتصاد العصبي، باول زاك، طاقاتهم في البيئات منخفضة الثقة، مثلاً، على حماية أنفسهم بدافع الخوف من فقدان الوظيفة، بدلاً من تركيزهم على الإبداع والتجديد والتمييز، كما تغلب على تعاملهم المنافسة والصراع من أجل البقاء، مما يبطئ سير الأمور ويرفع من التكلفة. أما البيئات المرتفعة الثقة، فتسودها المناقشة المنفتحة والقيادة المتعاونة التي تنجح في النهاية بإيجاد حلول للقضايا والمشكلات بسرعة وفاعلية وبأقل قدر من التكاليف.
وفي السياق نفسه، أكدت دراسات مقارنة أخرى أن العاملين في الشركات المتمتعة بقدر أكبر من الثقة يشعرون بتوتّر أقل بنسبة 74%، مقارنة بالعاملين في الأماكن التي تنخفض فيها الثقة. وتكون مستويات طاقتهم أثناء العمل وإنتاجيتهم أعلى بنسبة 106 و50% على التوالي، كما تقل الإجازات المرضية ويزيد الرضا عن الحياة بشكل عام في الكيانات الأكثر ثقة.
ويقترح الباحثون ممارسات عدة لتعزيز الثقة في أي منظمة، كتشجيع العاملين على مساعدة زملائهم ومكافأتهم على إنجازاتهم، ومعالجة الأخطاء باعتبارها خبرات مفيدة، هذا إلى جانب الشفافية والتمكين والتفويض والمشاركة في القيادة.
ويؤكد المؤلف ستيفن إم. كوفي، بعد ربع قرن من التركيز على مساعدة الشركات والمؤسسات لفهم ما يمكن أن تفعله الثقة من أجل استثمار الطاقات والاستمتاع بالعمل في أجواء إيجابية، ثلاث حقائق مهمة:
* الأولى، أن الثقة محرّك اقتصادي وليس مجرد فضيلة اجتماعية يُستحبّ وجودها، فهي عُملة جديدة تسرع الإنجاز وتخفض التكلفة.
* الثانية، أن الثقة شيء يغيّر كل شيء، لأنها تحفّز وتعزز التعاون والشراكة وعمل الفريق وكفاءة التنفيذ والتجديد والإنتاجية وجميع العمليات الضرورية.
* أما الحقيقة الثالثة والمهمة، فهي أن الثقة قدرة يمكننا جميعاً تعلمها.
ووضع كوفي في كتابه «سرعة الثقة، الشيء الذي يغيّر كل شيء»، نموذجاً لموجات الثقة التي تبدأ بموجة ثقة الذات، ثم ثقة العلاقات، فثقة المنظمة، وثقة السوق، والثقة المجتمعية. ولكي يتحقق هذا النموذج لابدّ من أن يبدأ كل واحد منّا بسؤال نفسه: هل أثق بنفسي؟ وهل أنا الشخص الذي يمكن أن يثق به الآخرون؟
ثقة الذات
يرى كوفي أن ثقة الذات تأتي من قدراتنا وإمكاناتنا ونجاحنا في وضع أهدافنا الخاصة وتحقيقها، ومقابلة مختلف الالتزامات. فإذا فعلنا ما نقول سنشعر بالرضا دون شك ونثق بأنفسنا، ونصبح جديرين بثقة الآخرين بنا.
والمبدأ هنا المصداقية التي تتولد من عناصر أربعة:
* الاستقامة: هل نفعل ما نقول؟
* النوايا: هل لدينا أجندة خفية؟
* القدرات: هل نحن الأشخاص المناسبون في الأماكن المناسبة؟
* النتائج: ماذا أنجزنا؟
وتعني الاستقامة، من وجهة نظر كوفي، أن يتماشى ما نفعل مع قيمنا الشخصية ومع نظام معتقداتنا طوال الوقت وفي جميع الظروف، وأن يتّسق باطننا مع ظاهرنا.
كما يقتضي الأمر منّا التحلي بتواضع يحملنا على الاهتمام بالحق أكثر من اهتمامنا بأن نكون على حق، يجعلنا نقدر الأفكار الجيدة ونساهم في تنفيذها قدر المستطاع، ونمتلك شجاعة فعل ما ينبغي فعله حتى لو كان صعباً وتطلّب منّا دفع ثمن ما. فالاستقامة في نهاية المطاف كالجذور التي رغم كمونها تحت الأرض، مهمة جداً لتغذية الأشجار وثباتها. ولكي نعزز استقامتنا ينصحنا كوفي بأن نكتسب عادة الالتزام أمام الذات وأمام الآخرين، ولا نتورط بما لا نستطيع القيام به، ونتبنى قضايا وأموراً تتجاوز ذواتنا.
ولهذا علينا أن نسأل أنفسنا دائماً عن ماهية القضية، أو الأمر الذي نرغب في أن يرتبط بنا؟ كما يتعيّن علينا أن نلتزم النزاهة والانفتاح، ولا نخاف من تجريب الطرق المختلفة الجديدة، ونعترف بشجاعة بأننا لا نعرف كل شيء ونتعلم من الآخرين.
نوايا وقدرات
يوصينا كوفي أيضاً بأن نحسن نوايانا بالتوقف لفحص دوافعنا ومراجعتها وننقحها وإعلانها بصوت مرتفع، حتى لا يساء فهمنا. ولابدّ من أن نكون أمناء في فعل ذلك، لأنّ النوايا المزيّفة تنفضح عادة، كما يتعين علينا تفضيل الوفرة، بمعنى ألا نستكثر على الآخرين نصيبهم العادل، لاسيما أن مقياس النجاح في الحياة لن يكون ما جمعنا وراكمنا، بل ما أعطينا.
ويؤكد من ناحية أخرى أن قدراتنا عبارة عن خليط من مواهبنا الشخصية ومهاراتنا ومعارفنا، ولنفوز بثقة أنفسنا وثقة الآخرين بنا، لا بدّ من معرفة مواهبنا الطبيعية وجوانب قوتنا التي تؤهلنا لأداء أعمالنا من دون عناء.
كما يتعين علينا معرفة اتجاهاتنا ورؤيتنا للعالم ولأنفسنا، ومن المهم أيضاً أن نضع أيدينا على مهاراتنا التي يجب أن تشحذ وتحسّن بصورة مستمرة. هذا إلى جانب مستوى تعليمنا واستبصاراتنا وفهمنا ووعينا. وإذا نجحنا في الملاءمة بين ما نقوم به وبين مواهبنا وشغفنا ومهاراتنا واتجاهاتنا، وأضفنا إلى ذلك الاجتهاد والتعلّم المستمر ومعرفة إلى أين نحن ذاهبون، ستتعزز مصداقيتنا دون ريب.
ويقترح، لنيل ثقة الذات وثقة الآخرين، أن نسأل أنفسنا: ما الإنجازات الملموسة التي نحققها يومياً، وكيف حققناها؟ فإذا كانت إنجازاتنا ضد قيمنا، فسيكون ذلك نجاحاً مؤقتاً في الغالب.
أما النجاح الحقيقي فيتطلّب التعامل بانفتاح وشفافية وأمانة وتحمّل للمسؤولية والتعلم من الأخطاء والتفاؤل والإصرار على تجاوز العقبات والوصول لخط النهاية.
زيادة أرصدة الثقة
وهي ثقة العلاقة المتصلة بكيفية زيادة أرصدة الثقة الافتراضية لدى الآخرين. والمفتاح هنا، التصرف باتساق طوال الوقت وفي جميع الظروف، أي اتساق السلوك. ولحُسن الحظ يمكن تعلُّم بعض السلوكيات لبناء درجة عالية من الثقة، وتتضمن هذه السلوكيات: الحديث بصورة مباشرة وإظهار احترام الآخرين والشفافية وتصويب الأخطاء وإظهار الولاء والخروج بنتائج والتحسن المستمر ومواجهة الواقع وتوضيح التوقعات وتقبل المحاسبة وتعميق الثقة.