الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الشراكة الإماراتية الألمانية.. استثمار في صناعة اقتصاد المستقبل

12 سبتمبر 2026 00:42 صباحًا | آخر تحديث: 12 سبتمبر 00:53 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
جاءت زيارة الدولة التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، لتؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين. فالنتائج الاقتصادية التي أسفرت عنها الزيارة لم تقتصر على زيادة حجم الاستثمارات أو توقيع مجموعة من الاتفاقيات، بل كشفت عن تحول نوعي ينقل الشراكة الإماراتية الألمانية من نطاق التعاون التجاري التقليدي إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد في قطاعات المستقبل.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة كونها أول زيارة دولة يقوم بها رئيس إماراتي إلى ألمانيا، فضلاً عن انعقادها في مرحلة يشهد فيها الاقتصاد العالمي اضطرابات جيوسياسية وتكنولوجية متسارعة. وفي مثل هذه الظروف، تزداد قيمة الشراكات التي تقوم على الثقة والمصالح المتبادلة والقدرة على تحويل التفاهم السياسي إلى مشاريع اقتصادية ملموسة.
كان الإعلان عن حزمة استثمارات إماراتية في ألمانيا بقيمة 40 مليار يورو أبرز النتائج الاقتصادية للزيارة. وتشمل هذه الاستثمارات الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والطاقة. كما تتضمن الحزمة تطوير مراكز بيانات متقدمة بطاقة تقارب واحد غيغاواط، بما يعكس توجّه الاستثمارات نحو البنية الأساسية التي سيقوم عليها الاقتصاد الرقمي خلال العقود المقبلة.
ولا تكمن أهمية هذه الحزمة في ضخامتها المالية فحسب، بل في طبيعة القطاعات التي تستهدفها. فمن الجانب الألماني، توفر الاستثمارات الإماراتية رأسمال طويل الأجل يمكن أن يسهم في تحديث البنية التحتية الرقمية، وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة، وتمويل الابتكار والتحول في قطاع الطاقة. أما بالنسبة إلى الإمارات، فإنها تتيح توسيع حضورها في أكبر اقتصاد صناعي في أوروبا، والوصول إلى قاعدة متقدمة من المعرفة والتقنيات والبحوث التطبيقية.
بهذا المعنى، تقوم الشراكة على تكامل واضح، تمتلك الإمارات القدرة الاستثمارية، وسرعة اتخاذ القرار، وخبرة متنامية في إدارة المشاريع الكبرى وربط الأسواق، بينما تتمتع ألمانيا بقاعدة صناعية راسخة ومؤسسات بحثية متقدمة، وخبرات عميقة في الهندسة والتصنيع والتكنولوجيا. وعندما يجتمع رأس المال الإماراتي مع المعرفة الصناعية الألمانية، تصبح النتيجة المحتملة أكبر من مجرد عائد مالي، إذ يمكن أن تتمثل في تطوير تقنيات جديدة، وتوطين المعرفة، وبناء سلاسل إمداد أكثر مرونة، وفتح أسواق إضافية أمام شركات البلدين.
وقد عزز هذه الدلالة توقيع 29 مذكرة تفاهم واتفاقية بين شركات إماراتية وألمانية، تجاوزت قيمتها الإجمالية 9.356 مليار يورو. وتكشف هذه الاتفاقيات عن اتساع دور القطاع الخاص في قيادة العلاقات الثنائية. فالانتقال من مذكرات التفاهم الحكومية إلى اتفاقيات بين الشركات، يعني أن الشراكة بدأت تتجسد في مصالح تجارية واستثمارية مباشرة، وهو ما يزيد فرص استدامتها ويجعلها أقل تأثراً بالتغيرات السياسية أو التقلبات الاقتصادية قصيرة الأجل.
لقد أظهرت زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى ألمانيا أن العلاقات الإماراتية الألمانية تتجه إلى نموذج جديد من الشراكات الدولية، يجمع بين الاستثمار والتكنولوجيا والطاقة والصناعة والأمن الاقتصادي. وهي شراكة لا تستجيب فقط لاحتياجات الحاضر، بل تستثمر في البنية التي ستحدد قوة الاقتصادات مستقبلاً، البيانات، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والصناعة المتقدمة، وسلاسل الإمداد المرنة.
وعليه، فإن أهم نتائج الزيارة تتمثل في تحويل الثقة السياسية المتراكمة بين البلدين إلى منظومة اقتصادية مؤسسية ذات أهداف ومشاريع محددة. ويأمل بتوفر الإرادة الحقيقية أن يتم تنفيذ هذه الاتفاقيات بالكفاءة والطموح نفسيهما اللذين صاحبا إعلانها، فإن الشراكة الإماراتية الألمانية مرشحة لأن تصبح نموذجاً للتكامل بين الخليج وأوروبا، ومحركاً للنمو والابتكار والاستقرار الاقتصادي لدى الطرفين.
* أستاذ الصحافة الرقمية- جامعة الإمارات

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة