لم يعد التقدم أملاً بل تهديد، هذه الجملة أصبحت تتكرر بأكثر من صيغة، وبتنا نقرؤها في بعض الأدبيات الغربية خلال السنوات الأخيرة، بعد أن آمن العقل الغربي بعقيدة التقدم على مدار عقود، فالبشرية - وفق هذه العقيدة - تسير من إنجاز إلى إنجاز أكبر، لكن يبدو أن الصورة انعكست وانقلب السحر على الساحر، وبات التقدم نقمة لا نعمة.
تأسست النهضة الأوروبية ولواحقها، أو ما يعرف بعصر الأنوار أو الإنسانوية، على رأس وقدمين، تمثل الرأس في الإيمان المطلق بالإنسان واعتباره مركز العالم وسيد الطبيعة والمهيمن على البيئة، هذا الرأس ارتكز على قدمين أو عكازين تمثلا في الإيمان بالتقدم من جانب، ونزعة التفاؤل من جانب آخر، وداخل هذه المنظومة العديد من القيم الأخرى المساندة والداعمة لها.
بإمكانك أن تقرأ عن ثلاثية الحرية والإخاء والمساواة، وأن تطالع من يرصد لك مسار الثورات العلمية وحركة الكشوف الجغرافية. إذاً، الأنوار الأوروبية مرحلة طويلة امتدت على مدار قرون كانت البطولة المطلقة فيها للإنسان، أما الأدوار المساعدة فجاءت من نصيب التقدم والتفاؤل.
الآن لا يمكنك أن تطالع أطروحة فكرية أوروبية تتناول الوضع الراهن إلا وترى الصورة السابقة معكوسة، وذلك برغم مقولات نهاية التاريخ وانتصار النيوليبرالية وسيادة العولمة، وخلف هذه القشرة من الانتصارات شبه الزائفة، يكمن القلق والخوف والشك في كل القيم، بل وعدم الاعتراف بمركزية الإنسان أو قيمته، وهو شك بدأ منذ عدة عقود مع ما سمي بمرحلة ما بعد الحداثة وانتشار أفكار العبث واللامعنى في الفنون والآداب والفلسفة، وأعقب ذلك ضربات قاتلة لفكرة الإنسان نفسها جاءت من توحش التكنولوجيا ومحاصرتها البشر والتطور العلمي والصناعي المتلاحق الذي دمر البيئة، وأخيراً هيمنة حالة من الغموض والخوف والتوتر مع الذكاء الاصطناعي.
كانت المركزية الغربية حتى العقد اللاحق للحرب العالمية الثانية تتمتع بثقة مفرطة وتتسم بالعجرفة والتعالي على الآخرين، تنظر إليهم بوصفهم أدنى، وليسوا شركاء في الحضارة، بل كثيراً ما نزعت عنهم سمة التحضر، والسجال الغربي الشرقي طويل ومعقد في هذا المجال.
إن أزمة الحضارة الغربية الآن أنها، من خلال تقنياتها المتعددة، أو التقدم المطرد، تحولت بالفعل إلى حضارة عالمية، وأي تهديد يطولها يعم جميع البشر، والسلبيات التي أنتجتها ستصل إلى الكل، والأكثر مدعاة للأسى أن هؤلاء الذين وصفتهم تلك الحضارة بأنهم أدنى، لا يحق لهم التمتع بمنجزاتها، وسيكونون أول من يعاني أزماتها وإشكالياتها، فالدول النامية ستتأثر أكثر من تلك المتقدمة بمتغيرات المناخ، ولأنها لم تستعد لسيناريوهات المستقبل ستعاني بشدة مع الذكاء الاصطناعي، فبنيتها التحتية والقانونية ليست مصممة للتعامل مع هذا الذكاء، وفي هذه الحالة يصبح التقدم الغربي تهديداً مضاعفاً لتلك البلدان.
نحن هنا أمام صورة للمستقبل، لا يمكن الحديث عنها من زاوية حضارية خاصة، وأمام الخطر لا مجال للتعالي أو العجرفة أو حتى التطاحن النظري، ويجب على مختلف الفرقاء التخلي عن مرجعياتهم، من أجل أن يعود التقدم أملاً لجميع البشر.
