الممرات، أو المضائق البحرية، هي العنوان الأبرز اليوم الذي خطف، ويخطف اهتمامات البشرية، وخوف العين العالمية نحو الممرات البحرية الممتدة من البحر الأحمر، وقناة السويس، ومضيق باب المندب، وصولاً إلى الخليج العربي، ومضيق هرمز، ذلك أن هذه المواقع احتلت العناوين الأبرز باعتبارها الشرايين العالمية، تاريخياً وواقعياً، وهي من أكثر المناطق حساسية في النظام الجيوسياسي والاقتصادي العالمي. ولا ترتبط هذه الممرات قط بدولة واحدة، أو بمصالح الدول الساحلية وحدها فقط، لكنها تتصل مباشرة بحركة دول العالم، وبضمان التجارة الدولية، وصولاً إلى أمن الطاقة وسلاسل الإمداد، الأمر الذي يجعل أيّ اضطرابات أو إمكانية حروب فيها، إذ عايشتها البشرية، مسائل خطرة قابلة للانتقال من النطاق الإقليمي إلى مآزم الاقتصاد العالمي، العالية المخاطر والتعقيدات.
نرى بهذه الاستهلالية أن التنافس، وقل الصراع الجيوسياسي الخطر، جعل العالم ساهراً درءاً للمخاطر، وتضافر الحروب الضخمة والخرائب، متجاوزاً لما يمكنني تسميته بضرورة اعتماد جريان السياسات العقلانية الشديدة التعقيد في التفكير والتقرير، وفقاً لسريان المياه المباركة في المحيطات والبحار.
ويبدو أيّ اضطراب في إحدى هذه الممرات ليس مشكلة محلية عابرة، بل عالمية، ستنتقل آثاره نحو أسواق العالم، ويربك البشرية حيال ارتفاع كلفة النقل، والتأمين، والطاقة، إلى التأخير في وصول السلع.
المعروف أن أزمة الملاحة في البحر الأحمر أظهرت على الملأ منذ أواخر عام 2023، أن الممر البحري لا يحتاج، بالضرورة إلى إغلاقه بصورة كاملة حتى يفقد جزءاً من وظيفته الاقتصادية، باعتبار أن ارتفاع المخاطر الأمنية، والتأمين، وتكاليف النقل، دفع عدداً من شركات الملاحة، الدولية والإقليمية، إلى تغيير مساراتها، والدوران حول رأس الرجاء الصالح، بما أدى إلى زيادة المسافة، والزمن، والكلفة. تؤكد هذه التجربة أن أمن الممرات البحرية لم يعُد مسألة عسكرية محضة، بل أصبح قضية اقتصادية واستراتيجية عالمية، متعدّدة الأبعاد والنتائج، الإيجابية والسلبية، الخطرة. تتضح أهمية ذلك بصورة أضخم في مضيق هرمز، الرمز العالمي الذي مثّل، ويمثل، وسيمثّل ممراً أساسياً لصادرات النفط والغاز من منطقة الخليج نحو الأسواق العالمية، لا سيما الآسيوية منها. وعليه، فإن أيّ تهديد لحركة الملاحة في هذا ىالشريان العالمي ستكون له أبداً انعكاسات ونتائج هائلة، لا تُحتمل على أسعار الطاقة، والتجارة، والاستقرار الاقتصادي.
هكذا دمغ الإعلام العالمي الأذهان بمسألة «المرونة البحرية»، أي الاستعداد الدولي والمنظومات الإقليمية حيال مخاطر الاضطرابات، وامتصاص آثارها، والحفاظ على الوظائف الأساسية الكاملة للممر، ثم التكيّف، والتعافي، واستعادة النشاط، لأنّ الهدف الاستراتيجي لا يمكن أن يكون بمنع التهديد، بل ضمان استمرارية المصالح الحيوية في حال وقوعه. هذا يعني محاولات التوفيق بين احترام السيادة الوطنية ومعايير حرية الملاحة التي أقرها القانون الدولي، لا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. كما أن قناة السويس، بوصفها ممراً مائياً اصطناعياً، تتمتع بإطار قانوني خاص، يختلف عن النظام القانوني للمضائق الطبيعية. ولذلك، فإن معالجة أمن الممرات تتطلب معرفة والخبرة الدقيقة بالقوانين الدولية، إلى جانب التنسيق السياسي والأمني بين الدول المعنية. المطلوب والمنتظر، تطوير قدرات إقليمية أشدّ فاعلية، تقوم على تبادل المعلومات والإنذار المبكر، وتعزيز الوعي بالمجال البحري، وحماية الموانئ والمنشآت الحيوية، وتطوير قدرات البحث والإنقاذ ومكافحة التلوث، وإجراء تدريبات مشتركة، وكذلك تعزيز الأمن السيبراني، وبناء بدائل لوجستية واقتصادية عند وقوع الأزمات.
تقتضي إعادة التفكير في الممرات البحرية العربية الانتقال من سؤال، من يسيطر على المضيق؟، إلى سؤال أكثر واقعية: كيف نضمن استمرارية وظائفه، ومصالح الدول المرتبطة به في مواجهة الأزمات؟ فالردع سيظل ضرورياً، لكنه لا يكفي وحده، لأن القوة البحرية تحمي الممر بينما توفر المرونة القدرة على الاستمرار عندما يتعرض هذا الممر لأيّ خطر.
لا، ولن يقوم بناء أمن بحري عربي أشدّ فاعلية بإقصاء التعاون الدولي، ولا بتجاهل المصالح المتعارضة، بل بتطوير القدرات العربية الجماعية على المعرفة، والتنسيق، والاستجابة، وضمان التعافي، وإعداد أجيال قادرة على فهم البحر العربي لا بوصفه فضاء جغرافياً، فحسب، بل باعتباره أحد ميادين الصراع والتعاون، وإعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي، وفقاً لمقتضيات المستقبل البشري.
