الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
روسيا والصين وتركيا وتحدي النظام الإقليمي

التدافع على أوروبا

12 سبتمبر 2026 23:48 مساء | آخر تحديث: 13 سبتمبر 00:00 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
icon الخلاصة icon
الكتاب يرصد تحول أوروبا من صانعة للنظام إلى حاميته وسط أزمات داخلية وتنافس روسيا والصين وتركيا بأدوات عسكرية واقتصادية وجيوسياسية
كانت أوروبا، طوال العقود التي أعقبت الحرب الباردة، مركزاً لمشروع سياسي واسع يقوم على التكامل الاقتصادي، وتوسيع الاتحاد الأوروبي، وترسيخ المؤسسات المشتركة، مستنداً إلى المظلة الأمنية الأمريكية. ومنحت هذه العناصر القارة قدرة كبيرة على التأثير في محيطها، حتى أصبح الانضمام إلى مؤسساتها أو الاقتراب منها هدفاً لدول كثيرة في وسط أوروبا وشرقها والبلقان.
موسكو لإعادة صياغة النظام الأوروبي.. وأولوية بكين تعميق ارتباط الاقتصاد 
ينطلق ديميتار بيتشيف في كتابه «التدافع على أوروبا: روسيا والصين وتركيا وتحدي النظام الإقليمي»، من التحولات التي أصابت هذه المنظومة، فالقارة تواجه ضغوطاً داخلية مرتبطة بصعود الشعبوية وتراجع بعض التجارب الديمقراطية وتنامي النزعات السيادية، بالتزامن مع حضور متزايد لروسيا والصين وتركيا. ولكل واحدة من هذه القوى أدواتها ومصالحها وتصورها للمكان الذي تريد أن تشغله في أوروبا.
يفتتح بيتشيف مقدمته بعبارة تلخص التحول الذي يشكّل نقطة انطلاق الكتاب: «كان ثمة زمن حلمت فيه أوروبا بإعادة تشكيل العالم على صورتها»، فقد حملت المؤسسات والقواعد الأوروبية أفكار الاعتماد الاقتصادي المتبادل والحكم الديمقراطي والتعاون متعدد الأطراف، ثم تبدلت البيئة الدولية، وأصبحت أوروبا نفسها تتأثر بالقوى والتحولات التي سعت سابقاً إلى توجيهها.

أوروبا من صناعة النظام إلى حمايته

يرى بيتشيف أن النظام الأوروبي استقر على ثلاثة عناصر رئيسية: التكامل، والتوسع، والارتكاز الأمني على الولايات المتحدة. فقد عمّق الاتحاد الأوروبي التداخل بين السياسات الوطنية والمؤسسات المشتركة، وحمل التوسع هذه المنظومة باتجاه الأطراف، بينما وفرت الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية المظلة الاستراتيجية التي ساعدتها على النمو.
بلغ هذا النموذج ذروته خلال تسعينات القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين. توسعت السوق الأوروبية الموحدة، وظهرت العملة المشتركة، وتعززت مؤسسات بروكسل، فيما أدى توسع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي شرقاً إلى إعادة رسم المجال السياسي الأوروبي بعد انهيار الكتلة السوفييتية.
ثم جاءت سلسلة من الأزمات التي غيّرت المناخ السياسي: الأزمة المالية العالمية، واضطرابات منطقة اليورو، وصعود التيارات الشعبوية والقومية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والتوترات المتزايدة في العلاقات عبر الأطلسي.
ويكتب بيتشيف أن قادة أوروبا يواجهون مهمة شاقة تتمثل في إنقاذ النظام الإقليمي باعتباره شرطاً لاستمرار حضور القارة عالمياً. ومن هنا يحدد هدف كتابه في فهم التحديات الخارجية التي تواجه المشروع الأوروبي، ودراسة الاستراتيجيات التي طورتها الدول ومؤسسات الاتحاد للتعامل معها.

3 مسارات نحو أوروبا

تشكل المقارنة بين روسيا والصين وتركيا قلب الكتاب. ويضع بيتشيف أمام القارئ ثلاث قوى تحمل تجارب تاريخية مختلفة مع أوروبا، وقد انتقلت تدريجياً من التأثر بالنظام الذي تشكّل بعد الحرب الباردة إلى السعي للتأثير في موازين القوة والمؤسسات والمعايير داخله.
تقدم روسيا الحالة الأكثر حدة. فقد نظرت قطاعات من النخب الروسية خلال تسعينات القرن الماضي إلى المؤسسات الأوروبية باعتبارها مرجعاً سياسياً، ثم تغيرت العلاقة مع توسع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. وأصبحت أوكرانيا مركز هذا الصدام.
التدافع على أوروبا
وتدخل الصين المشهد عبر طريق مختلف. فأوروبا سوق رئيسية للصادرات الصينية وشريك اقتصادي مهم، فيما منحت التجارة والاستثمارات والتكنولوجيا بكين أدوات تأثير متنامية. ويرصد الكتاب انتقال الصين من موقع يتلقى السياسات الأوروبية إلى لاعب قادر على التأثير داخل المجال الاقتصادي الأوروبي، وخصوصاً في الاتصالات والطاقة والنقل وصناعة السيارات والتكنولوجيا.
أما تركيا فتقدم علاقة أشد تشابكاً، فقد ارتبط تاريخ الجمهورية الحديثة طويلاً بمشروع التحديث والاقتراب من أوروبا، وأصبحت عضوية الاتحاد الأوروبي لاحقاً هدفاً رئيسياً لأنقرة. ومع صعود رجب طيب أردوغان تغيرت رؤية تركيا لموقعها، وتعزز حضور الإرث العثماني والقومية التركية، وبدأت البلاد تقدم نفسها مركز قوة يمتد مجال حركته من الشرق الأوسط إلى البلقان والقوقاز، مع استمرار الروابط الاقتصادية والاستراتيجية العميقة بأوروبا.
ويلخص بيتشيف الفروق بين القوى الثلاث بصورة واضحة: روسيا تريد إعادة صياغة النظام الأوروبي جذرياً، والصين تسعى إلى تعميق ارتباط أوروبا بمجالها الاقتصادي، وتركيا تريد تعزيز موقعها في النظام الأوروبي وفق شروط تمنحها نفوذاً واستقلالية أكبر.
وتكشف هذه المقارنة عن أدوات متعددة للتأثير. ترتبط روسيا بالقوة العسكرية والطاقة والعلاقات السياسية، وترتبط الصين بالتجارة والاستثمار والتكنولوجيا، بينما تمتلك تركيا أدوات تتصل بالجغرافيا والهجرة والاقتصاد والجاليات والروابط الثقافية والسياسية.

سبعة فصول ترسم خريطة التحول

يتوزع الكتاب على سبعة فصول . يبدأ الفصل الأول بتطور النظام الإقليمي خلال تسعينات القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحالي، وهي المرحلة التي يصفها المؤلف بـ«ذروة أوروبا». شهدت تلك الفترة تعميق المؤسسات الأوروبية، والتوسع شرقاً، واتساع حلف شمال الأطلسي، واستمرار الدور الأمريكي في تثبيت النظام الإقليمي. 
ويتناول الفصل الثاني التحديات الداخلية التي تصاعدت منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، ومنها الشعبوية والتوترات السياسية في وسط أوروبا وشرقها وتأثير ترامب في العلاقة عبر الأطلسي. ويصل المؤلف إلى أن مؤسسات الاتحاد الأوروبي أظهرت قدرة كبيرة على امتصاص الصدمات والتكيف معها.
أما الفصل الثالث فيقارن بين روسيا والصين وتركيا، ويرصد ثلاث مراحل في علاقاتها بالنظام الأوروبي: التكيف والسعي إلى الاندماج بعد الحرب الباردة، ثم الابتعاد الانتقائي عن بعض قواعد الاتحاد، وصولاً إلى مرحلة السعي المباشر إلى التأثير في أوروبا.
 يستعيد الفصل الرابع تاريخ العلاقة الروسية بالنظم الأوروبية، ثم تجربة روسيا بعد عام 1991 والحرب على أوكرانيا. ويتناول الخامس العلاقة الصينية الأوروبية منذ القرن التاسع عشر وصولاً إلى صعود بكين لاعباً اقتصادياً وسياسياً عالمياً. ويبحث السادس موقع الدولة العثمانية في السياسة الأوروبية، ثم التحول الجمهوري وعلاقة تركيا المعاصرة بالاتحاد الأوروبي في عهد أردوغان.
ويجمع الفصل السابع خيوط الدراسة من خلال ثلاث استراتيجيات أوروبية: الاحتواء، والتحصين، والاستيعاب. يرتبط الاحتواء بروسيا وردع تمددها العسكري، ويتصل التحصين بالصين وتقليل المخاطر الناتجة عن الاعتماد الاقتصادي والتكنولوجي عليها، فيما يظهر الاستيعاب في التعامل مع تركيا عبر الاتفاقات والعلاقات المؤسسية والأطر السياسية المرنة.
ويشير بيتشيف إلى أن أوروبا أخذت تتبنى القوة الصلبة، وتنظر إلى الاقتصاد من زاوية الأمن، وتنخرط بصورة أوسع في السياسات القائمة على المصالح والصفقات. وهكذا دفعت المنافسة الجديدة الاتحاد الأوروبي نحو زيادة الإنفاق الدفاعي، ودعم أوكرانيا عسكرياً، ومراجعة العلاقات التجارية والتكنولوجية مع الصين.
يقدم الكتاب خريطة للتحول من قارة واثقة بقدرتها على توسيع نموذجها إلى قارة تعيد ترتيب أدواتها الأمنية والاقتصادية والسياسية وسط تنافس دولي متزايد. وتمنح المقارنة بين روسيا والصين وتركيا الكتاب مساحة تتجاوز السياسة الأوروبية إلى التحولات الكبرى في ميزان القوة العالمي، حيث تتشكل أوروبا الجديدة تحت ضغط عالم متعدد المراكز.
 * ديميتار بيتشيف باحث في السياسة الأوروبية والعلاقات الدولية، تتركز دراساته في جنوب شرقي أوروبا والبلقان وتركيا وروسيا والسياسة الخارجية الأوروبية. وله دراسات وكتب حول التنافس الجيوسياسي في جوار أوروبا والعلاقات بين القوى الكبرى ودول البلقان.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة