تحاول اليابان الدفاع عن عملتها، لكن ذلك يتطلب شراء كميات أقل من سندات الخزانة الأمريكية أو بيع ما لديها منها لجمع الأموال.
يُجمع المحللون على أن جهداً مشتركاً بين الولايات المتحدة واليابان لدعم العملة، لن يصلح ما أفسدته عقود من تشوّه أسعار السندات وتراكم الديون.
ويُذكّرنا قرار وزارة الخزانة الأمريكية بالتعاون مع اليابان في دعم الين بالمخاطر الناجمة عن كبح الحكومات لعوائد السندات لسنوات. وتُشكّل السندات أساس المخاطر للنظام المالي بأكمله، ولذا يُعدّ التدخل المفرط في أسواق الدخل الثابت أمراً مثيراً للقلق بشكل خاص.
كما تُعتبر السندات الحكومية الصادرة عن الدول ذات التصنيف الائتماني الجيد أصولاً خالية من المخاطر تُحدّد كيفية تقييم أسعار الأصول وتكلفة رأس المال. ويُشكّل الدين السيادي ركيزة النظام المالي وأساس أسواق الأصول الخطرة.
لا تمثل عوائد السندات أبداً أسعار السوق الحقيقية، لذا يبقى التدخل الحكومي أمراً واقعاً. وتُصدر الحكومات السندات، ويعتبر بيعها وشراؤها هو أساس سياستها النقدية. لكن للتدخل حدوداً حيث لا تزال الأسواق تلعب دوراً هاماً، خاصةً في السندات طويلة الأجل، والتدخل المفرط يُشوّه كيفية تخصيص رأس المال ويؤدي إلى مخاطر التسعير. والأسوأ من ذلك، أنه يُشجع على التهور المالي. عندما تسوء الأمور، تنقلب الأوضاع رأساً على عقب بسرعة، وقد يؤدي ذلك، كما حدث بالفعل، إلى أزمات مالية عالمية. مع ذلك، أصبح التدخل هو القاعدة لأن الحكومات تُفضل اختيار سعر الاقتراض بدلاً من ترك السوق يُحدده. أحياناً تنجح في ذلك، حتى لسنوات طويلة، لكن في النهاية تأتي المحاسبة، وربما تشكل اليابان مثالاً واضحاً على ذلك. وعلى مدى عقود، بذلت اليابان قصارى جهدها للحفاظ على انخفاض عوائد سنداتها عن طريق شراء ديونها أو سنّ قوانين تلزم صناديق التقاعد أو غيرها من الجهات بشراء هذه الديون. وقد مكّنها ذلك من مواصلة الاقتراض رغم النمو الاقتصادي الهزيل. وأصبحت اليابان مثالاً يُحتذى به في تقزيم أهمية الديون، وفي فكرة أن بإمكان الدول إنفاق ما تشاء دون رفع أسعار الفائدة.
لم تكن أسعار الفائدة اليابانية مرتبطة بتقييم السوق لديونها بقدر ما كانت مرتبطة بمحاولات طوكيو للحفاظ على انخفاض العوائد من خلال شراء السندات أو تشجيع المدخرين على ذلك. وقد مكّن هذا الكبح من زيادة أعباء الديون، إلا أن سوء تقدير المخاطر لم يكن بلا ثمن. فقد أدى إلى تباطؤ النمو بتشويه رأس المال والكفاءات، ولم تجنِ أجيال من المدخرين اليابانيين عوائد تُذكر. كما أدى ذلك إلى ظهور تجارة الفائدة اليابانية، حيث كان المستثمرون يقترضون بأسعار فائدة منخفضة بالين ثم يستثمرون في أصول ذات عوائد أعلى في مكان آخر. وقد ضمنت تجارة الفائدة طلباً قوياً على الين.
لكن كبح منحنى العائد توقف عن العمل بمجرد أن واجهت اليابان التضخم، وأدى الحفاظ على انخفاض أسعار الفائدة إلى زيادة الضغط التصاعدي على الأسعار. اضطر بنك اليابان إلى السماح برفع أسعار الفائدة. حاول البنك القيام بذلك بأكثر الطرق تحكماً وتدريجياً، لكن محاولته لم تكن مقنعة. تعتزم اليابان زيادة الإنفاق لمواجهة النمو المنخفض، ما يزيد الضغط على أسعار الفائدة نحو الارتفاع. وأوشكت تجارة الفائدة على الانهيار طوال العام نظراً لاحتمالية ارتفاع أسعار الفائدة، وهذا يعني انخفاض قيمة الين، الأمر الذي قد يزيد من زعزعة استقرار الأسواق.
تحاول اليابان الدفاع عن عملتها، لكن ذلك يتطلب شراء كميات أقل من سندات الخزانة الأمريكية أو بيع ما لديها منها لجمع الأموال. تحافظ الولايات المتحدة على انخفاض أسعار الفائدة بالاعتماد على مشترين أجانب، مثل اليابان، ولهذا السبب تدخلت وزارة الخزانة الأمريكية لدعم الين في أول جهد مشترك منذ عام 2011. ويبدو أن هذا الجهد قد نجح حتى الآن.
لكن هذا أشبه بمحاولة سد ثغرة. يعتقد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، أن الين كان مقوماً بأقل من قيمته الحقيقية قبل التدخل، وأن هذه الخطوة ساهمت في استقرار السوق. لكن وزارة الخزانة لم تُغير العوامل الأساسية. أولاً، باعت الولايات المتحدة اليورو لشراء الين، ما قد يُقوّض جهود تهدئة الأسواق، لأن الحاجة إلى بيع اليورو تُثير تساؤلات حول التدفقات النقدية لوزارة الخزانة. كما أن الين يتعرض لضغوط لأن عوائد السندات اليابانية لا تزال أقل بكثير مما ينبغي بالنظر إلى التضخم وتزايد عبء الديون. هذه الإجراءات المؤقتة لا تُعالج المشكلة. هذا هو التدخل الثالث لطوكيو هذا العام، ولا تزال الأسواق تتجه نحو الين لأن عوائده لا تزال منخفضة للغاية مقارنةً بالدول الأخرى، فضلاًَ عن كونها لا تتناسب مع التوقعات الاقتصادية اليابانية.
وهنا يتبين سبب عدم جدوى كبح منحنى العائد لتمويل الإنفاق المُستمر، حتى في اليابان. قد يستمر هذا الوضع لعقود إذا كانت الظروف المالية مواتية. لكن اليابان الآن عالقة بين ثلاثية معقدة تشمل الديون المرتفعة، والنمو المنخفض، وأسعار فائدة متزايدة مع عودة التضخم. وبما أنه لا يُمكن للحكومة تشويه سعر المخاطر إلى ما لا نهاية، فلا بد في النهاية من أن تتحمل عواقبها المالية.
* كاتبة عمود وباحثة في معهد مانهاتن
المصدر: ذا سيتي جورنال
