الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

وقود لا نراه

13 سبتمبر 2026 22:21 مساء | آخر تحديث: 13 سبتمبر 22:27 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
اعتاد الإنسان أن يربط التعب بسنوات العمر، وكأن كل عام يمضي يأخذ معه شيئاً من طاقته. لكن الحياة تضع أمامنا مشاهد تربك هذه المعادلة، أشخاص نشعر بأن لديهم فائضاً من الحياة، يتحدثون بحماسة، ويخططون لما هو قادم، ويجدون دائماً سبباً جديداً للبدء، وآخرون يبدون وكأنهم استهلكوا حصتهم من المحاولات مبكراً، يؤدون ما عليهم، لكنهم لا ينتظرون شيئاً، ولا يلمع في أعينهم ذلك الشغف بما سيأتي.
أقابل أشخاصاً تجاوزوا الستين، وبعضهم اقترب من السبعين، وما زالوا يعملون بطاقة متجددة ورغبة لا تهدأ في العطاء. يبدأون يومهم مبكراً، مدققين في تفاصيل العمل، يفكرون ويتحدثون في المشاريع القائمة والقادمة، بل ويحرصون على التعلم، ومواكبة الأنظمة والتقنيات الحديثة. وفي المقابل، نلتقي بمن هو في الخامسة والثلاثين أو الأربعين، لكنه يبدو متعباً من كل شيء، وكأن الحياة مرّت عليه أكثر مما مرّ هو عليها. كنت أتساءل دائماً: من أين تأتي كل هذه الطاقة؟ وهل للعمر علاقة بها فعلاً؟
مع الوقت، بدأت أرى أن بعض الطاقة لا يصنعها الجسد وحده، بل تصنعها أيضاً علاقتنا بالحياة، وما تعيده إلينا مقابل ما نبذله فيها. فالإنسان الذي يسعى، ثم يرى ثمرة سعيه، يستمد من النجاح طاقة تدفعه إلى المحاولة مرة أخرى. وحين يُقدَّر عمله، تزداد رغبته في العطاء، وحين تُمنح له الثقة، يريد أن يكون على قدرها. ثم تأتي فرصة لم يبحث عنها، أو باب لم يتوقعه، أو نجاح آخر، فتدور العجلة: عطاء يولّد تقديراً، والتقدير يولّد ثقة، والثقة تستدعي عطاءً أكبر. وهكذا يكبر الإنسان في العمر، وتكبر فيه الرغبة في العطاء.
لكن الحياة لا تمنح الجميع المسار نفسه. هناك من سعى طويلاً ولم يصل، وحاول مرات كثيرة من دون أن يجد ما كان يبحث عنه. قد يكون أخطأ الطريق، أو احتاج إلى مراجعة سلوكه أو النهج الذي اتبعه، أو قد يكون ممن طال بقاؤه في مكان من دون أن يلتفت للفرص الكثيرة من حوله، وقد لا يكون وجد من يراه أو يمنحه الفرصة، وقد يكون ما أراده رزقاً لم يُكتب له. ومع تكرار الأبواب المغلقة، لا يتعب الجسد وحده، تتعب الرغبة أيضاً.
ولهذا نتسرع أحياناً حين نصف شخصاً بأنه «فقد شغفه» أو «لم يعد لديه طموح». فنحن نرى ما بقي من طاقته، ولا نعرف كم استهلك منها قبل أن نلتقيه، ولا كم مرة بدأ من جديد، ولا كم باباً طرقه، ولا كم مرة جمع نفسه بعد خيبة وقال: سأحاول مرة أخرى.
فالإنسان لا يعيش على قوته وحدها، هناك تقدير يعيد إليه شيئاً من نفسه، وثقة تجعله يريد أن يكون على قدرها، ونجاح صغير يخبره بأن المحاولة ما زالت تستحق، وفرصة تأتي في وقتها فتغيّر علاقته بالطريق كله.
وفي الجهة الأخرى، يفعل تكرار الخيبة العكس، فالإنسان لا ينطفئ دائماً دفعة واحدة، بل قد يخسر، مع كل محاولة لا تكتمل، شيئًا صغيراً من رغبته في المحاولة التالية.
لهذا لا تخبرنا السنوات وحدها عن عمر الإنسان من الداخل. هناك وقود لا نراه، تصنعه فرصة، أو ثقة، أو تقدير، أو نجاح جاء في وقته. وقد يكون هذا ما يجعل إنساناً في السبعين متعطشاً للغد، وآخر في الثلاثين مثقلاً بالأمس.
فليست كل طاقة شباباً، وليس كل تعبٍ عمراً.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة