على الرغم من الإشارات الإيجابية التي صدرت عن المبعوثَين الأمريكيين، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، اللذين زارا موسكو وكييف، مؤخراً، والحديث عن «تقدم كبير» في المحادثات التي جرت في الكرملين مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إلا أن الواقع يؤشر إلى شيء مختلف، ذلك أنه تم طرح الكثير من الأسئلة والأفكار الجديدة، لكنها لم تخرج عن جسّ النبض والاستطلاع، لعلّها توفر قاعدة ممكنة لإطلاق مفاوضات ثلاثية قد تُعقد بعد انتخابات مجلس الدوما الروسي، الأسبوع المقبل.
هذا الحراك الأمريكي يتم وسط تصاعد في وتيرة الحرب، وتبادل القصف بالصواريخ والطائرات المسيّرة الذي يطول مختلف المدن، والقواعد العسكرية، والمصانع، ومحطات الطاقة، والمطارات، والموانئ، والسفن، والبنى التحتية، ولا يستثني المناطق السكنية، ما يدلّ على أن الحرب تأخذ منحى جديداً يتجاوز الميدان، وخطوط القتال التقليدية، بهدف تحقيق واقع جديد يجبر أحد الطرفين على القبول بالتسوية التي يريدها الطرف الآخر.
كان واضحاً، بعد محادثات المبعوثين الأمريكيين، أن لا موسكو تخلت عن شروطها السابقة المعروفة، ولا كييف وافقت على القبول بتسوية تلزمها التخلي عن الأراضي التي تحتلها القوات الروسية، والتوقف عن مساعيها للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو).
فقد أعلن المتحدث الرسمي باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، أن شروط روسيا لوقف الحرب في أوكرانيا «معروفة جيداً»، وأن «الظروف لم تتغير فعلياً عمّا أعلنه الرئيس الروسي ووزارة الخارجية، قبل عامين»، كما أن نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، خفض سقف التوقعات بقوله إن نجاح مهمة ويتكوف وكوشنر يتوقف على استعداد الإدارة الأمريكية للعمل من أجل التوصل إلى ما وصفه ب«حل حقيقي» يراعي «الوقائع على الأرض».
أما في كييف، فقد رسم زيلينسكي صورة رمادية للوضع، متوقعاً استمرار الحرب حتى فصل الشتاء، على الرغم من حديثه عن «سلام عادل» لا يتيح لروسيا «فرصة شن عدوان جديد»، خصوصاً أنه أشار إلى أن مسألة الأراضي تحتاج إلى قمة تجمعه بالرئيس الروسي، ما يعني غياب أي آفاق، أو احتمالات للتوصل إلى تسوية في المدى المنظور.
مع ذلك، لا تريد موسكو قطع حبل التواصل مع واشنطن، نظراً لدورها المحوري في الاتصالات الجارية بشأن الحرب الأوكرانية، فبعد زيارة ويتكوف وكوشنر الأخيرة أجرى بوتين اتصالاً هاتفياً مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب، استمر نحو ساعة، وُصف بأنه كان «بنّاء وصريحاً للغاية»، وأن بوتين «شدّد خلاله على أن موسكو ليست لديها أيّ خطط عدائية قط، حيال أوروبا»، أعلن بعدها ترامب أن الرئيس الروسي يريد «إبرام صفقة، وإذا كان الرئيس الأوكراني يريد إبرام صفقة فسيكون ذلك جيداً»، وأضاف «أنا ملمّ بالصفقات، وهذان شخصان سئما القتال».
لكنّ هناك بوناً شاسعاً بين التصريحات المتفائلة والكلام الدبلوماسي، وبين الواقع الميداني والشروط المتبادلة صعبة التحقيق التي تحول دون التوصل إلى حل سياسي يضع حداً لحرب مدمّرة تبدو طويلة.