يدخل اليوان الصيني مرحلة جديدة أمام الدولار، بعدما صعد إلى أعلى مستوى له منذ 3 سنوات. فالوصول إلى 6.703 يوان للدولار يأتي في لحظة شديدة الحساسية للاقتصاد الصيني، الذي يحقق أداءً قوياً في التجارة الخارجية، لكنه لا يزال يواجه ضعفاً في الطلب المحلي والاستثمار.
والأهم أن بكين لا تبدو في وارد مقاومة ارتفاع عملتها بأي ثمن، لكنها في الوقت نفسه لا تريد ارتفاعاً سريعاً يفقد صادراتها إحدى أهم مزاياها التنافسية. وهذه المعادلة الدقيقة تفسر كثيراً من سلوك البنك المركزي الصيني خلال الأشهر الماضية.
والأهم أن بكين لا تبدو في وارد مقاومة ارتفاع عملتها بأي ثمن، لكنها في الوقت نفسه لا تريد ارتفاعاً سريعاً يفقد صادراتها إحدى أهم مزاياها التنافسية. وهذه المعادلة الدقيقة تفسر كثيراً من سلوك البنك المركزي الصيني خلال الأشهر الماضية.
لماذا يرتفع اليوان الآن؟
هناك ثلاثة محركات رئيسية وراء الموجة الحالية. أولها: ضعف الدولار نفسه بالتزامن مع تغير توقعات الأسواق بشأن السياسة النقدية الأمريكية. وثانيها: تدفقات العملات الأجنبية الناتجة عن قوة الصادرات الصينية التي قفزت في أغسطس/آب 25% على أساس سنوي، بينما ارتفعت الصادرات عالية التقنية 42.9%، كما سجل الفائض التجاري الشهري نحو 119.1 مليار دولار. أما العامل الثالث فهو أن بكين باتت أكثر استعداداً للسماح لليوان بالارتفاع تدريجياً، بدلاً من الدفاع عن مستويات أضعف للعملة كما كان يحدث في مراحل سابقة.
وهنا تكمن النقطة الأهم، ارتفاع اليوان ليس بالضرورة نتيجة فقدان بكين السيطرة على العملة، بل إلى حد كبير نتيجة سماحها للسوق باختبار مستويات أقوى.
وهنا تكمن النقطة الأهم، ارتفاع اليوان ليس بالضرورة نتيجة فقدان بكين السيطرة على العملة، بل إلى حد كبير نتيجة سماحها للسوق باختبار مستويات أقوى.
لا ضعفاً ولا قوة أكثر من اللازم
قوة الصادرات الصينية، التي تشكل أحد العوامل الداعمة لليوان، تفرض في الوقت نفسه على بكين مزيداً من الحذر تجاه ارتفاع العملة. فكلما صعدت قيمة اليوان، ازدادت كلفة السلع الصينية نسبياً على المشترين في الخارج، في حين تتراجع قيمة الإيرادات المحققة بالعملات الأجنبية عند تحويلها إلى اليوان، ما يضغط على هوامش أرباح الشركات المحلية.
ولهذا سبق للمركزي الصيني أن اتخذ إجراءات لإبطاء صعود اليوان، بينها إلغاء متطلبات احتياطي المخاطر لعقود الصرف الآجلة، بما يشجع على شراء الدولار، في وقت بدأت فيه قوة العملة تضغط على المصدرين. كما لجأت بنوك صينية إلى رفع معدلات الفائدة على ودائع الدولار في محاولة لجذب العملة الأمريكية.
لكن الفرق اليوم أن بكين لا تبدو راغبة في عكس الاتجاه، وإنما في منع تحوله إلى قفزة سريعة.
وهناك مكسب استراتيجي آخر لا يمكن تجاهله، وهو التدويل المتزايد لليوان. الصين أعلنت في الأيام الأخيرة أن خطتها للأعوام 2026-2030 ستدفع باتجاه توسيع استخدام اليوان في التجارة والمدفوعات والاستثمار، وزيادة انفتاح الأسواق المالية، وتعزيز أسواق اليوان الخارجية. وتقول بكين إن أكثر من 11 تريليون يوان من الأصول المالية المحلية باتت مملوكة لمستثمرين أجانب، فيما تدرج أكثر من 80 دولة ومنطقة العملة ضمن احتياطياتها من النقد الأجنبي.
ومن هذه الزاوية، فإن اليوان الأقوى والأكثر استقراراً يساعد الصين على تقديمه كعملة يمكن الاحتفاظ بها، وليس مجرد أداة لتسعير الصادرات. وهذا مهم خصوصاً في ظل رغبة بكين في تقليل الاعتماد على الدولار، من دون الدخول في مواجهة مباشرة معه.
ولهذا سبق للمركزي الصيني أن اتخذ إجراءات لإبطاء صعود اليوان، بينها إلغاء متطلبات احتياطي المخاطر لعقود الصرف الآجلة، بما يشجع على شراء الدولار، في وقت بدأت فيه قوة العملة تضغط على المصدرين. كما لجأت بنوك صينية إلى رفع معدلات الفائدة على ودائع الدولار في محاولة لجذب العملة الأمريكية.
لكن الفرق اليوم أن بكين لا تبدو راغبة في عكس الاتجاه، وإنما في منع تحوله إلى قفزة سريعة.
وهناك مكسب استراتيجي آخر لا يمكن تجاهله، وهو التدويل المتزايد لليوان. الصين أعلنت في الأيام الأخيرة أن خطتها للأعوام 2026-2030 ستدفع باتجاه توسيع استخدام اليوان في التجارة والمدفوعات والاستثمار، وزيادة انفتاح الأسواق المالية، وتعزيز أسواق اليوان الخارجية. وتقول بكين إن أكثر من 11 تريليون يوان من الأصول المالية المحلية باتت مملوكة لمستثمرين أجانب، فيما تدرج أكثر من 80 دولة ومنطقة العملة ضمن احتياطياتها من النقد الأجنبي.
ومن هذه الزاوية، فإن اليوان الأقوى والأكثر استقراراً يساعد الصين على تقديمه كعملة يمكن الاحتفاظ بها، وليس مجرد أداة لتسعير الصادرات. وهذا مهم خصوصاً في ظل رغبة بكين في تقليل الاعتماد على الدولار، من دون الدخول في مواجهة مباشرة معه.
صعود يحمل أثماناً
المشكلة أن الصين تعتمد حالياً بدرجة كبيرة على الطلب الخارجي لتعويض ضعف الطلب الداخلي. وإذا استمر اليوان في الصعود، فقد تتآكل تدريجياً القدرة السعرية للمصدرين في وقت لا يزال فيه الاقتصاد المحلي يعاني أزمة عقارات واضحة وضعفاً استهلاكياً في الآونة الأخيرة.
لذلك فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس ترك اليوان يصعد بلا قيود، ولا العودة إلى سياسة العملة الضعيفة، وإنما إدارة الوضع الجديد. وهذا ما تشير إليه تحركات المركزي، من خلال السماح باتجاه صاعد، والتحرك في نطاق 2% صعوداً أو هبوطاً حول السعر المرجعي اليومي، مع استخدام أدوات السيولة وسوق العملات لكبح السرعة عندما تصبح الحركة مفرطة.
لذلك فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس ترك اليوان يصعد بلا قيود، ولا العودة إلى سياسة العملة الضعيفة، وإنما إدارة الوضع الجديد. وهذا ما تشير إليه تحركات المركزي، من خلال السماح باتجاه صاعد، والتحرك في نطاق 2% صعوداً أو هبوطاً حول السعر المرجعي اليومي، مع استخدام أدوات السيولة وسوق العملات لكبح السرعة عندما تصبح الحركة مفرطة.
المواجهة الحقيقية مع الدولار تتغير
القصة الأوسع إذاً ليست أن اليوان أصبح أقوى، بل أن الفارق بين سياسة الصين تجاه عملتها وسياسة واشنطن تجاه الدولار بدأ يتغير. فالولايات المتحدة نفسها تضغط منذ فترة باتجاه دولار أقل قوة لتحسين القدرة التنافسية للصناعة الأمريكية وتقليص الاختلالات التجارية، بينما حقق اليوان مكاسب كبيرة أمام العملة الأمريكية. وتشير تقديرات حديثة إلى أن اليوان ارتفع بنحو 10% تقريباً في سياق تراجع الدولار منذ ذروة قوته.
وهكذا تجد بكين نفسها أمام فرصة نادرة، عملة أقوى تعني واردات أرخص، واستقراراً أكبر لرأس المال، ونفوذاً دولياً أوسع لليوان، لكنها في المقابل تهدد نموذج الصادرات الذي لا يزال يمثل أحد أهم محركات الاقتصاد الصيني.
لذلك، فإن مستوى 6.703 ليس بالضرورة محطة نهائية، لكنه أيضاً ليس رقماً تستطيع بكين التعامل معه باعتباره مجرد تفصيل في سوق الصرف. والاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الصين على تحقيق المعادلة الأصعب، وهي رفع قيمة اليوان بما يكفي لتعزيز مكانته الدولية، من دون الإضرار بالصناعة والصادرات والطلب المحلي.
وهكذا تجد بكين نفسها أمام فرصة نادرة، عملة أقوى تعني واردات أرخص، واستقراراً أكبر لرأس المال، ونفوذاً دولياً أوسع لليوان، لكنها في المقابل تهدد نموذج الصادرات الذي لا يزال يمثل أحد أهم محركات الاقتصاد الصيني.
لذلك، فإن مستوى 6.703 ليس بالضرورة محطة نهائية، لكنه أيضاً ليس رقماً تستطيع بكين التعامل معه باعتباره مجرد تفصيل في سوق الصرف. والاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الصين على تحقيق المعادلة الأصعب، وهي رفع قيمة اليوان بما يكفي لتعزيز مكانته الدولية، من دون الإضرار بالصناعة والصادرات والطلب المحلي.