د.صلاح الغول
لم تكن زيارة الدولة التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى ألمانيا الاتحادية، في الفترة من 9 إلى 11 سبتمبر/ أيلول الجاري، زيارة عادية. كما أنها لم تأتِ في ظرف طبيعي، ولا حملت أجندة تقليدية. فقد جاءت في لحظة تتقاطع فيها أزمات الأمن والطاقة والتجارة والتكنولوجيا، وتتغير فيها قواعد العلاقات الدولية. لهذا، فإن قراءة الزيارة لا ينبغي أن تتوقف عند مراسمها أو نتائجها المباشرة. الأهم هو ما تكشفه عن الاتجاه الذي تسلكه العلاقات بين أبوظبي وبرلين.
فالرسالة الأوضح أن الشراكة الإماراتية الألمانية تدخل مرحلة جديدة. مرحلة لا تقوم فقط على إدارة المصالح، بل على بناء قدرة مشتركة على الفعل.
وتكمن أهمية الزيارة في أنها أول زيارة دولة لرئيس إماراتي إلى ألمانيا، والأولى لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد منذ توليه رئاسة الدولة عام 2022. لكن البعد الرمزي، على أهميته، ليس هو جوهر المسألة. الجوهر في الإطار الجديد الذي خرجت به العلاقات.
فإطلاق إطار الحوار الاستراتيجي الإماراتي الألماني يعني الانتقال من تعاون واسع في ملفات متعددة إلى شراكة أكثر انتظاماً ومؤسسية. الأمن والدفاع. التجارة والاستثمار. الطاقة والمناخ. التكنولوجيا والرقمنة. النقل والثقافة والتعليم. ملفات كثيرة، لكن الأهم أنها أصبحت تحت مظلة سياسية واحدة.
وهذا هو الفارق بين علاقة جيدة وشراكة استراتيجية. العلاقة تعتمد على قوة المصالح. أما الشراكة فتعتمد على المؤسسات التي تحمي هذه المصالح وتطورها.
فاقتصادياً، حملت الزيارة أرقاماً كبيرة. فقد أعلنت الإمارات اعتزامها استثمار 40 مليار يورو في ألمانيا، بينها 10 مليارات يورو في ولاية بافاريا. كما أُعلن عن 30 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين شركات إماراتية وألمانية تتجاوز قيمتها 9.66 مليار يورو. ولكن الرقم، في حد ذاته، ليس هو الخبر الأهم، فالأهم أين ستذهب هذه الاستثمارات؟ سوف يتم ضخ هذه الاستثمارات في الصناعة المتقدمة. الذكاء الاصطناعي. مراكز البيانات. البنية التحتية الرقمية. الطاقة. هذه ليست قطاعات تبحث عن عوائد آنية فقط. إنها قطاعات ترسم شكل الاقتصاد في العقود المقبلة.
ومن هنا تبرز أهمية مجلس الاستثمار الإماراتي-الألماني، واستئناف أعمال اللجنة الاقتصادية المشتركة. فالمطلوب ليس أن تبقى نتائج الزيارة في البيانات والتصريحات المتبادلة، وإنما المطلوب أن تتحول إلى مشروعات، وأن تتحول المشروعات إلى قدرات إنتاجية وتكنولوجية مستدامة.
وفي قطاع الطاقة، يتسع نطاق الشراكة بدوره. من الغاز الطبيعي المسال إلى الطاقة المتجددة والهيدروجين. وهو تحول يعكس واقعاً جديداً وهو أن أمن الطاقة الأوروبي يرتبط بأمن الخليج، وأمن الخليج يرتبط بدوره بالاقتصاد العالمي والممرات البحرية والتجارة الدولية. ولذلك، فإن الإمارات لا تدخل العلاقة مع ألمانيا باعتبارها مورداً للطاقة فقط، بل إنها تتحرك كشريك في بناء منظومة الطاقة الأوروبية للمستقبل.
والأمر نفسه ينطبق على الأمن والدفاع. فالزيارة دفعت بهذا الملف إلى مستوى أكثر استراتيجية، من خلال تعزيز التعاون في الدفاع والتكنولوجيا الدفاعية، واستكشاف إطار للتعاون الدفاعي، إلى جانب التعاون في مجالي الشرطة والأمن.
وهنا تفرض التطورات الإقليمية نفسها. فقد أظهرت أزمات العام الحالي أن أمن الخليج ليس ملفاً إقليمياً مغلقاً. وذلك أن أي تهديد للاستقرار في الخليج يمكن أن يمتد أثره إلى الطاقة والملاحة والتجارة والاقتصاد العالمي. أما الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، فهما ربما يمثلان المجال الأكثر وعداً في العلاقة المقبلة. فألمانيا تملك قاعدة صناعية وتكنولوجية وبحثية ضخمة.
وهنا تتضح طبيعة الشراكة المقبلة. فألمانيا ليست مجرد سوق للاستثمار الإماراتي. والإمارات ليست مجرد مصدر لرأس المال لألمانيا. كل طرف يملك ما يحتاج إليه الآخر. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الزيارة. فال40 مليار يورو مهمة. والاتفاقات مهمة. والحوار الاستراتيجي مهم. لكن قيمة كل ذلك ستتحدد بما سيحدث بعد عودة الوفود إلى عواصمها. وهل تتحول التفاهمات إلى مشروعات؟ هل تتحول الاستثمارات إلى تكنولوجيا؟ هل يتحول التعاون إلى قدرات؟ وهل يتحول التنسيق السياسي إلى تأثير؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد مستقبل الشراكة.
لقد فتحت زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقات الإماراتية-الألمانية. والفرصة الآن أكبر من مجرد تعزيز علاقة ثنائية. إنها فرصة لبناء نموذج لشراكة بين دولة صناعية وتكنولوجية كبرى ودولة تمتلك رأس المال والمرونة والرؤية المستقبلية.
وإذا نجحت الإمارات وألمانيا في تحويل ما اتُّفق عليه إلى واقع، فإن زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد لن تكون مجرد محطة مهمة في تاريخ العلاقات بين البلدين. بل ستكون نقطة انتقال. من التعاون إلى الشراكة. ومن الشراكة إلى القدرة على الفعل. ومن القدرة على الفعل إلى المشاركة في صناعة المستقبل.
