ثمة خطأ يتكرر كثيراً في النقاش العربي حول الهوية: الاعتقاد بأن حمايتها تعني الانغلاق، وأن الانفتاح على العالم يقود بالضرورة إلى الذوبان. وبين هذين التصورين المتطرفين تضيع حقيقة أساسية، وهي أن الهوية الحقيقية لا تُحمى بالخوف من الآخر، كما لا يمكن أن تستمر بالتخلي عن الذات.
فالهوية، في جوهرها، ليست جداراً عازلاً بين مجتمع وآخر، وليست أيضاً مجموعة شعارات نرددها كلما شعرنا بالخطر. إنها منظومة متكاملة من القيم والذاكرة واللغة والتاريخ والمرجعيات الثقافية التي تمنح المجتمع شخصيته الخاصة، وتحدد موقعه في العالم. لكنها، في الوقت ذاته، كائن حي، تتطور وتتفاعل وتكتسب خبرات جديدة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة فقدان جوهرها. وهنا تحديداً تبدأ المشكلة التي تواجه هويتنا العربية الإسلامية في هذه المرحلة.
فالعالم الذي نعيش فيه لم يعد يسمح بالعزلة. ثورة الاتصالات والمعلومات ألغت عملياً كثيراً من الحدود الثقافية التقليدية، وأصبح الفرد، خصوصاً من الأجيال الجديدة، يعيش يومياً داخل فضاء عالمي مفتوح. في هاتفه المحمول وحده يمكن أن ينتقل خلال دقائق بين ثقافات وقيم وأنماط حياة وتجارب إنسانية قادمة من مختلف أنحاء العالم.
وليس في ذلك ما يدعو إلى الخوف بالضرورة. فالانفتاح، في ذاته، ليس تهديداً. التهديد الحقيقي يبدأ عندما نفقد القدرة على الاختيار، وعندما يتحول التفاعل الثقافي إلى تقليد، والانفتاح إلى تبعية، والإعجاب بالآخر إلى شعور بالدونية أمامه.
إن المجتمعات الواثقة من نفسها لا تخاف من الأفكار. وهي لا ترى في كل تجربة مختلفة مؤامرة تستهدف وجودها، ولا تتعامل مع العالم باعتباره عدواً ينبغي إغلاق الأبواب في وجهه. لكنها في المقابل لا تستقبل كل ما يأتي من الخارج بوصفه حقيقة مطلقة أو نموذجاً وحيداً للتقدم.
وهذه هي المعادلة الصعبة التي ينبغي أن ندركها: ليس المطلوب أن نرفض العالم، بل أن نمتلك القدرة على التعامل معه من موقع الندية والثقة بالنفس.
فالحضارات الكبرى لم تستمر لأنها أغلقت أبوابها، وإنما لأنها امتلكت القدرة على الأخذ والعطاء. والحضارة العربية الإسلامية نفسها لم تكن في أوج ازدهارها حضارة منغلقة، بل كانت فضاءً واسعاً للتفاعل العلمي والثقافي والمعرفي، أخذت من تجارب الآخرين، وأضافت إليها، ثم أعادت إنتاج المعرفة بصورة جعلتها واحدة من أهم الحضارات الإنسانية. وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية: لماذا نتصور اليوم أن الانغلاق هو الطريق الوحيد لحماية الهوية؟
ربما لأننا نخلط بين الانفتاح الواعي والذوبان. فالذوبان لا يحدث لمجرد أن نتعرف إلى ثقافة أخرى، ولا لأننا نتعلم لغة أجنبية، أو نستفيد من التكنولوجيا والمعرفة الحديثة. الذوبان يبدأ عندما نفقد الثقة في أنفسنا، وعندما نعتقد أن التقدم لا يمكن أن يتحقق إلا بالتخلي عن كل ما نملكه.
وفي المقابل، فإن التمسك بالهوية لا يعني تحويل الماضي إلى سجن. الماضي مصدر قوة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن المستقبل. والاعتزاز بتاريخنا لا ينبغي أن يعفينا من مسؤولية بناء حاضر قادر على المنافسة. إن الهوية القوية تحتاج إلى مجتمع قوي. فحماية الهوية ليست مهمة ثقافية فقط، بل هي أيضاً قضية سياسية واقتصادية وتعليمية وتنموية. المجتمع الذي يوفر لأبنائه تعليماً جيداً وفرصاً للعمل ومستقبلاً يمكن الإيمان به، يبني في الوقت نفسه ثقة الإنسان بنفسه وبمجتمعه.
ومن هنا، لا يمكن فصل قضية الهوية عن قضية التنمية. فالاقتصاد المنتج يحمي الهوية، والتعليم الجيد يحميها، والبحث العلمي يحميها، وتمكين الشباب يحميها، لأن الإنسان الواثق من قدرته على الإنتاج والمنافسة لا يحتاج إلى الانغلاق حتى يشعر بالأمان.
لكن هناك جانباً آخر لا يقل خطورة، يتعلق بالتماسك الداخلي. فالهوية الجامعة لا تستطيع الصمود في مجتمع تتآكل فيه الروابط المشتركة، وتتصارع داخله الهويات الفرعية على حساب الانتماء الأوسع.
وهنا يصبح التماسك المجتمعي شرطاً أساسياً لحماية الهوية، فالهوية لا تعيش في الكتب وحدها، ولا في المتاحف، ولا في الخطب والاحتفالات. إنها تعيش في العلاقات اليومية بين الناس، وفي شعورهم بأنهم ينتمون إلى مجتمع واحد، تجمعهم مصالح مشتركة ومستقبل مشترك. ومن دون هذا الشعور يصبح الحديث عن الهوية مجرد خطاب ثقافي منفصل عن الواقع.
نحن بحاجة إلى جيل يعرف تاريخه، لكنه لا يعيش أسيراً له. جيل يعتز بلغته، لكنه يتواصل مع العالم بلغاته. جيل يتمسك بقيمه، لكنه لا يخاف من الحوار مع المختلف. فالهوية التي لا تستطيع أن تدخل في حوار مع الآخر سرعان ما تتحول إلى هوية قلقة. أما الهوية الواثقة، فهي التي تعرف نفسها جيداً، ولذلك لا تخشى الاختلاف.
إن العالم لن يعود إلى الوراء، والتدفق الثقافي والمعلوماتي سيزداد، لا العكس. ولذلك فإن محاولة حماية مجتمعاتنا عبر بناء جدران ثقافية مغلقة ليست سوى محاولة للهروب من واقع لا يمكن الهروب منه.
لقد آن الأوان لأن نخرج من الثنائية الزائفة بين الأصالة والمعاصرة، وبين الهوية والانفتاح. فالأصالة لا تعني رفض العصر، والمعاصرة لا تعني التخلي عن الجذور.
إن مستقبل هويتنا العربية لن يُبنى بالانغلاق، كما لن يُحمى بالذوبان. إنه يحتاج إلى معادلة أكثر عمقاً وواقعية: تمسك واعٍ بالجذور، وتماسك قوي في الداخل، وانفتاح واثق على العالم. فالتمسك يحمي الهوية من الذوبان، والتماسك يحميها من التفكك، والانفتاح الواعي يحميها من الجمود. أما الخوف، فلا يصنع هوية.
