من الصعب النظر إلى التصعيد الإيراني الأخير وعدم وصفه بالمقامرة، فبعد الضربة الأمريكية اختار النظام الإيراني التصعيد الأُفقي، ووسّع دائرة الاستهداف لتشمل دول الخليج والأردن وتركيا وأذربيجان، ووصلت عملياته إلى منشأة عسكرية بريطانية في قبرص. ثم استمر في استخدام مضيق هرمز ورقةَ ضغطٍ برغم معرفته أن إيران نفسها تدفع الجزء الأكبر من ثمن تعطيله. وهنا يبرز السؤال: هل قرر النظام الإيراني «الاستشهاد» في سبيل تخليد حقبته في التاريخ الفارسي؟
والإجابة عن هذا السؤال تستدعي دراسة عامل «البقاء» بصفته مكوناً راسخاً في الثقافة الاستراتيجية الإيرانية The strategic culture (إطار نظري يُستخدم لتفسير السلوك الاستراتيجي للدول). ويمتد هاجس البقاء في الثقافة الاستراتيجية الإيرانية إلى خبرة تاريخية في النجاة من الهزيمة، فبعد الفتح العربي وسقوط الساسانيين استمرت اللغة والثقافة الفارسيتان، وبعد الغزو المغولي اندمجت النخب الفارسية في إدارة الدولة الجديدة وأثّرت فيها، وأُضيف لاحقاً الموروث الشيعي، ويشمل «التقية» التي أجازت إخفاء المعتقد عند الخوف حفاظاً على النفس والجماعة، وصولاً إلى خسارة أراضٍ واسعة أمام روسيا القيصرية، والتدخل الروسي والبريطاني. ويمكن النظر إلى هذه الخبرات بصفتها أحد العوامل التي أسهمت في ترسيخ قيمة التكيف من أجل الاستمرار والمرونة عند مواجهة خطر وجودي، بدلاً من تبني ثقافة «الموت البطولي».
ولهذا تربط الثقافة الاستراتيجية الإيرانية بين الشعور بالتفوق الحضاري من جهة، وإحساس تاريخي بعدم الأمان والتهديد الخارجي من جهة أخرى، وهي ثنائية جعلت «حماية الذات السياسية» وتجنب الفناء جزءاً من طريقة إدراك إيران لمحيطها. ومع قيام الثورة الإيرانية عام 1979، ظهر التعريف نفسه ولكن بصورة مختلفة: بقاء الثورة والنظام أولاً.
وهذا التحول مهم لفهم ثقافة «الشهادة» أو الموت البطولي التي رسخها النظام منذ سنواته الأولى وفقاً لتفسيراته الخاصة لها، فالنظام يحتفي بالشهادة والتضحية، لكنه بنى منذ تأسيسه تمييزاً عملياً بين من يُضحِّي ومن يجب أن يُضحَّى من أجله، ففي السنوات الأولى للثورة استخدمت القيادة الجديدة الإعدامات والتطهير السياسي لإقصاء خصومها وترسيخ النظام الوليد، ثم جاءت الحرب العراقية-الإيرانية لتمنح التضحية معنى تعبوياً، إذ مُجِّد القتلى بصفتهم «شهداء»، وتحولت عاشوراء وكربلاء إلى جزء من اللغة المستخدمة لحشد المجتمع والمقاتلين وتحمل تكلفة الحرب.
واستمر هذا المنطق لاحقاً خارج الحدود الإيرانية، عبر دعم الجماعات المسلحة وتقديم القتلى في ساحات إقليمية بصفتهم «مدافعين عن الحرم»، و«شهداء» في مشروع المقاومة.
ولكن التجربة نفسها تكشف حدّاً واضحاً لهذه الثقافة: يمكن للفرد أن «يستشهد» من أجل النظام الإيراني، لكن النظام الإيراني لا «يستشهد» من أجل الفرد (وفق مفهوم الاستشهاد عند النظام الإيراني). وعندما أصبحت مواصلة الحرب مع العراق أكثر خطورة على النظام، قَبِلَ الخميني وقف إطلاق النار عام 1988، برغم تشبيهه القرار ب«تجرع كأس السم».
ومضيق هرمز يقدّم المثال الأوضح في الوقت الراهن، فالنظام الإيراني يعرف أن تعطيل المضيق يضر خصومه، لكنه يعرف كذلك أن إيران هي المتضرر الأكبر. وتشير التداعيات الاقتصادية وتصريحات بزشكيان إلى حجم التكلفة التي تتحملها طهران، أهمها تصريحات بزشكيان حين قال إن «المنتجات المستوردة كانت تصل بالسفن، أما الآن، فإنها تمر عبر مسارات عديدة لتدخل البلاد، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع التكلفة النهائية للسلع. وقد تفاقمت مشكلاتنا أضعافاً عدة، في حين انخفضت إيراداتنا أيضاً».
ومع ذلك قَبِلَ النظام هذه التكلفة مقابل الإضرار بالآخر، وهنا تستدعي الذاكرة السياسية عبارة ذو الفقار علي بوتو، الذي كان مستعداً لأن «يأكل الباكستانيون العشب» كي تملكَ الدولة أداةً تحمي بقاءها، والسؤال هو: إلى أيِّ مدى يستطيع النظام أن يطلب من الإيرانيين «أكْل العشب» كي يبقى هو؟
وهنا تكمن المشكلة في وصف النظام الإيراني بأنه «انتحاري»، فالانتحار يفترض استعداد الفاعل لقَبول فنائه في سبيل غاية أعلى، فيما يشير تاريخ النظام الإيراني إلى العكس، فقد تراجع عندما اقتضى «البقاءُ» التراجع، وتفاوض عندما أصبح التفاوض أقل تكلفة، وأعاد تفسير مبادئ عدة في أيديولوجيته عندما اصطدمت بمصلحة النظام، بل إن مفهوم «مصلحة النظام» حاضر مؤسسياً في بنية الجمهورية الإسلامية عبر مجمع تشخيص مصلحة النظام، لذلك فإن ما نشهده اليوم قد يكون أخطر من اندفاع نظام يبحث عن نهاية بطولية استشهادية: إنه سلوك نظام يريد البقاء، لكنه يزيد باستمرار مقدار ما هو مستعدٌّ للتضحية به لتحقيق ذلك.
*مركز الإمارات للدراسات - باحثة في الشؤون الإيرانية والشرق الأوسط.
