الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الإعلام والاقتصاد.. كيف قلبت دبي المعادلة؟

18 سبتمبر 2026 21:40 مساء | آخر تحديث: 18 سبتمبر 22:07 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
رضا أبو طربوش*
حضرت هذا الأسبوع قمة الإعلام العربي في دبي، وبحكم عملي مستشاراً ومحللاً مالياً واقتصادياً، ومن خلال عملي في كابيتال هيلز للحلول التمويلية، وجدت نفسي أنظر إلى القمة من زاوية ربما تختلف قليلاً عن زاوية العاملين في الإعلام.
السؤال الذي ظل يشغلني طوال الوقت كان: ما العلاقة الحقيقية اليوم بين الإعلام والاقتصاد؟ وهل الإعلام مجرد مرآة تعكس قوة الاقتصاد أو ضعفه، أم أنه أصبح جزءاً من صناعته؟
في اعتقادي، الإعلام والاقتصاد أصبحا اليوم وجهين لعملة واحدة.
لسنوات طويلة تعاملنا مع الإعلام الاقتصادي باعتباره ناقلاً للخبر: أسعار الأسواق، حركة الأسهم، قرارات البنوك المركزية، معدلات النمو والتضخم والاستثمارات الجديدة. لكن هذا التعريف أصبح ضيقاً جداً مقارنة بالدور الذي يلعبه الإعلام اليوم.
الإعلام نفسه أصبح صناعة اقتصادية. الإنتاج التلفزيوني والسينمائي، والإعلان، والمنصات الرقمية، والنشر، وصناعة المحتوى، والتسويق والعلاقات العامة، كلها تخلق قيمة مضافة، وتوظف آلاف الأشخاص، وتجذب استثمارات وتولد إيرادات.
لكن المسألة الأهم بالنسبة لي ليست فقط حجم مساهمة قطاع الإعلام نفسه، وإنما حجم النشاط الاقتصادي الذي يستطيع أن يحركه خارج حدوده.
ولعل الإعلان الذي جاء في اليوم الأخير من قمة الإعلام العربي أعطى مثالاً واضحاً على ذلك، عندما أعلنت منى غانم المرّي عودة مهرجان دبي السينمائي الدولي في 8 ديسمبر 2027، برؤية جديدة لا تتوقف عند عرض الأفلام، وإنما تسعى إلى ربط المخرج بالمنتج، والموهبة بالمستثمر، والفكرة بالسوق.
هنا تحديداً يصبح الحديث عن السينما حديثاً اقتصادياً بامتياز.
يكفي أن ننظر إلى هوليوود لندرك حجم هذه الصناعة. الفيلم الكبير اليوم قد تُرصد لإنتاجه وتسويقه مئات الملايين من الدولارات، فيما تستطيع الأعمال الناجحة أن تحقق إيرادات تتجاوز المليار دولار عالمياً. نحن نتحدث عن صناعة تتحرك حولها استثمارات هائلة، ووظائف، وتقنيات، وسياحة، وحقوق ملكية فكرية، ومنصات توزيع وإعلان وأسواق عالمية. وفي بعض الحالات، تصبح ميزانية مجموعة من الإنتاجات السينمائية الكبرى أرقاماً تقارن بميزانيات أو قطاعات اقتصادية كاملة في دول صغيرة.
ولهذا فإن عودة مهرجان دبي السينمائي ليست، من وجهة نظري، خبراً ثقافياً فقط.
إنها جزء من سؤال اقتصادي أكبر: أين تريد دبي أن تكون في اقتصاد الإبداع العالمي؟
وهنا تحديداً أرى أن دبي تعرف كيف تلعب.
فهي لا تنظر إلى الحدث باعتباره أياماً تنتهي بانطفاء الأضواء، وإنما تحاول بناء منظومة حوله.
عندما يأتي مخرج ومنتج ومستثمر ونجم عالمي وشركة توزيع ومنصة بث إلى مدينة واحدة، فإن الأثر لا يبقى داخل قاعة السينما. الفنادق تعمل، والطيران يستفيد، والمطاعم والنقل والتجزئة تتحرك، والشركات تعقد الصفقات، والمواهب تجد الفرص، والمدينة نفسها تحصل على حضور عالمي لا يمكن حساب قيمته فقط بعدد التذاكر المباعة.
وهذه هي المعادلة التي نجحت دبي في قلبها.
فبدلاً من أن تحقق الإنجاز أولاً ثم تبحث عن إعلام يتحدث عنه، أصبح الإعلام جزءاً من المنظومة التي تصنع القيمة منذ البداية.
وقد رأينا نموذجاً مبكراً لذلك عندما استضاف مهرجان دبي السينمائي على مدى سنوات أسماء وأفلاماً عالمية كبرى، وعندما تحولت دبي نفسها إلى موقع تصوير لأعمال هوليوودية ضخمة. في عام 2011 مثلاً، عاد فيلم «مهمة مستحيلة: بروتوكول الشبح» إلى المدينة التي صُوّر فيها جزء من مشاهده ليقيم عرضه العالمي الأول في مهرجان دبي السينمائي، بعدما أصبحت مشاهد توم كروز على برج خليفة صورة شاهدها العالم كله.
هنا يصعب الفصل بين السينما والسياحة، وبين الإعلام والاستثمار، وبين الصورة والاقتصاد.
ومن منظور اقتصادي، هناك عامل آخر لا يقل أهمية عن رأس المال نفسه: الثقة.
المستثمر لا ينظر فقط إلى ما حدث بالأمس، بل إلى ما يتوقع حدوثه غداً. ورأس المال بطبيعته يبحث عن المكان الذي يرى فيه فرصة واستقراراً ونمواً. والإعلام يلعب دوراً كبيراً في تشكيل هذه التوقعات.
بالطبع، لا يستطيع الإعلام أن يخترع اقتصاداً قوياً إذا لم يكن موجوداً، ولا يمكن للصورة أن تكون بديلاً عن الأرقام والنتائج. لكن عندما يكون لديك اقتصاد حقيقي، ثم تعرف كيف تحكي قصته، فأنت تضاعف القيمة التي يستطيع هذا الاقتصاد إنتاجها.
وربما كان إعلان عودة مهرجان دبي السينمائي أفضل خاتمة لقمة ناقشت مستقبل الإعلام.
لأن الرسالة ببساطة هي أن المنافسة المقبلة لن تكون فقط على رأس المال، بل على رأس المال والمواهب والانتباه والثقة والصورة الذهنية في الوقت نفسه.
وفي اقتصاد اليوم، لا يكفي أن تصنع النجاح.
عليك أيضاً أن تعرف كيف تروي قصته، وكيف تحوّل هذه القصة إلى صناعة. ودبي، على ما يبدو، تعرف جيداً كيف تفعل الاثنين.
* مستشار ومحلل مالي واقتصادي ومؤسس شركة كابيتال هيلز للحلول التمويلية

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة