الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

اختبار يتجدد للأمم المتحدة

20 سبتمبر 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 20 سبتمبر 00:05 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
اختبار يتجدد للأمم المتحدة
بدأ مقر الأمم المتحدة في نيويورك يستقطب الاهتمام مع وصول وفود الدول للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، وسط أجواء دبلوماسية مشحونة، ومخاوف متصاعدة من انزلاق النظام الدولي نحو مزيد من الانقسام، بينما يواجه المجتمع الدولي حزمة من الأزمات المركّبة التي لم تعُد تحتمل المواربة ولغة الصفقات.
اجتماعات سبتمبر في نيويورك لا تمثل موسماً «بروتوكولياً»، بل هي اختبار حقيقي لمدى قدرة القوى الكبرى والنامية، على حدّ سواء، على تجاوز الاستقطاب الحاد، وإحياء مفهوم العمل متعدّد الأطراف تحت مظلة الأمم المتحدة التي يرى كثيرون أن مصداقيتها باتت على المحك، ويعترف أمينها العام، أنطونيو غوتيريش، بأنها تواجه حالة من «الشلل شبه التام»، والجمود الجيوسياسي الذي يعصف بقدرتها على معالجة النزاعات، وأداء مهامها في حفظ الأمن والسلم الدوليين، وحماية القوانين والمواثيق الإنسانية، ما يهدّد بتحويل الساحة الدولية إلى غابة سياسية تفعل فيها الدول ما تشاء، وتتجاهل المبادئ الأممية.
تقف المنظمة الدولية ضعيفة أمام تمدّد الحروب والدمار في الشرق الأوسط، أمام النزاع في الشرق الأوسط، واستمراره في أوكرانيا، ما يجعل من الحديث عن السلام الدولي ضرباً من الخيال، ويدفع بفرص التفاؤل إلى أدنى مستوياتها بعد انزلاق القوى الكبرى والإقليمية نحو مواجهات مباشرة وغير مسبوقة.
يتضح للجميع أن أدوات الردع الدبلوماسي التقليدية قد تآكلت، وأن ميثاق الأمم المتحدة بات مجرّد حبر على ورق أمام لغة السلاح، وموازين القوى الجديدة. والمثال الصارخ على هذا العجز الفادح يتجلى في المأساة التاريخية المستمرة في فلسطين، سواء في قطاع غزة، الذي تحوّل بفعل العدوان الإسرائيلي، إلى مجرد كومة من الأنقاض ومكان لا يصلح للعيش، أو الضفة الغربية التي ينهشها الاستيطان المتسارع، وسياسات قضم الأراضي، وتشريد السكان، على مرأى ومسمع من مجتمع دولي يكتفي ببيانات القلق والإدانة، من دون أي إجراءات عملية.
لا يعود ضعف الأمم المتحدة إلى هيئتها، أو قوانينها، ومواثيقها، وإنما إلى سياسات الدول الأعضاء، خصوصاً دائمة العضوية، فالميثاق الأممي يمتلك في نصوصه وبنوده القوة القانونية والأخلاقية الكافية لردع الحروب، وتحقيق السلام، وإنصاف الشعوب، لكن الإرادة السياسية للقوى الكبرى تُكبّل المنظمة، وتفوّت على البشرية المعالجة العادلة لأزمات وجودية، مثل انتشار الأسلحة النووية، والتلويح باستخدامها، والذكاء الاصطناعي المنفلت، والتغيّر المناخي المتسارع، وتفاقم عدم المساواة، وكلها تحدّيات بالغة الخطورة تضع مستقبل الإنسانية في دائرة الخطر.
لقاء وفود الدول وقادتها سنوياً في نيويورك سُنّة مستمرة منذ ثمانية عقود، تسمح لكل الدول بالإدلاء بمواقفها حيال جميع القضايا، والهواجس، والتحديات المشتركة. لكن هذا الفضاء الفريد بات اليوم بحاجة إلى ما هو أبعد من المجاملات الدبلوماسية، إنه بحاجة إلى صحوة ضمير عالمية تعيد للأمم المتحدة هيبتها، ومسارها الصحيح، حتى يتمكن المجتمع الدولي من تجاوز عتمة الحاضر، إلى غدٍ أكثر أملاً وإشراقاً.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة