الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الحراك المبتور

1 سبتمبر 2026 01:21 صباحًا | آخر تحديث: 1 سبتمبر 01:22 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
هي مشكلة القراءة التي تؤرقنا دائماً، حيث يبدو أن هناك أزمة متعلقة بها في جميع الأوقات، أزمة تتعلق بالقراءة الورقية والآن تتسلل إلى القراءة الإلكترونية، ولكن هل هي أزمة حقيقية أم أن تلك الأزمة تتعلق بالحراك الثقافي بصفة عامة؟
منذ سنوات عديدة هناك شكوى واضحة بتراجع معدلات القراءة عربياً، وحتى عندما أفزعتنا الأرقام آنذاك، لم نبحث في نوعية القراءة وأنماطها؟ لم نسأل أنفسنا هل كل عملية قراءة تستحق هذا الاسم؟ وما القراءة التي نريدها؟ وهل قراءة الفلسفة مثل قراءة الأدب مثل مطالعة كتب الطبخ؟ وخرجت الاقتراحات وطرائق العلاج، وتخفف الكثيرون تجاه شروط القراءة، فقالوا ليقرأ الجميع أي شيء في أي مجال، المهم أن نقرأ، وتناسوا أن القراءة وفق هذا المعنى عملية مبتورة، فالقراءة الصحيحة تحت ظرف لابد أن تعقبها إضافة تصب في مجمل الثقافة بصفة عامة، بمعنى أن القراءة ليست فعلاً لذاته، أو فعلاً معلقاً في الهواء، فلكي تكتمل لابد أن يلحقها وعي، هذا هو الأثر الأول المرتبط بها وهنا سنكون أمام إشكالية أخرى، وهي كيف نقيس هذا الوعي واتجاهاته؟ أما الأثر الثاني للقراءة فيتمثل في أنها فعل يعقبه نقاش وإنتاج إبداعي، وفي هذه الحالة بالإمكان قياس نتاج القراءة وتأثيرها في المحيط العام.
لنترك الأثر الأول: الوعي، كتوجه فضفاض جانباً، ونذهب إلى الأثر الآخر للقراءة، ويتمثل في النقاش والإنتاج الإبداعي، بالنسبة للنقاش والحوار والأطروحات حول الكتب، سنلمحه على استحياء وبقدر من الزيف والافتعال في المواقع الإلكترونية المخصصة لذلك، أو حتى في مواقع التواصل الاجتماعي، وبالنسبة للإنتاج الإبداعي فستخبرنا أية جولة في مكتبة عن سيل من الإصدارات يتراكم كل يوم، ومع ذلك هناك إحساس بأزمة في القراءة، نحن نشعر أنها تتراجع ولا تتقدم بخلاف الظاهر في وسائل التكنولوجيا الحديثة وكمية الإصدارات التي نراها يومياً، ما هي المشكلة إذن، أو أين يقع الخلل؟
هناك من يتحول بتلك المشكلة إلى وجهة أخرى، فالأزمة في أنماط القراءة وطرائقها، لقد بتنا نقرأ العناوين والملخصات ونمر على السطور بسرعة، ولكن هل نسينا المأخذ الأكبر لمفكر بوزن محمد عابد الجابري على مشروع النهضة العربية بأكمله، عندما قال إن رواد هذا المشروع لم يطالعوا إلا الملخصات سواء في التراث العربي أو المنتج الغربي الحديث، إذن القراءة السريعة أو العابرة بدورها أزمة قديمة وممتدة، نحن لم نكن يوماً أصحاب قراءة متعمقة سواء في عصر «ازدهار القراءة الورقية» أو زمن «انهيار القراءة الرقمية»، في الحالتين نحن نقرأ بخفة، ولكن إحساسنا بأزمة القراءة يتزايد الآن، بل يشعر البعض بالهلع من أن يستيقظ فيجد القراءة وقد أصبحت من أحاديث التاريخ.
الأزمة الحقيقية تعود إلى تلقي القراءة، لم يعد هناك من حراك ثقافي واسع تجاه أي كتاب أو أطروحة أو فكرة، لا يخرج أحدهم برأي مثير للجدل إلا ويستمر ليوم أو اثنين، ثم يصمت الجميع، ولم يعد أحد يحاول أن يراكم على ما قاله آخر، ففي هذا الزمن السريع والمزدحم والممتلئ بالضجيج، نحن نقرأ ونذهب إلى المعارض ونتقابل ونتحاور، ولكن كل شيء يمر في لمح البصر، لا تمهل أو تدبر أو تأمل، بل ربما أصبحنا نخاف على ذاكرتنا المثقوبة التي أصيبت بالعجز عن الاحتفاظ بالمعلومات ومعها الأفكار والآراء.
نحن نقرأ، نعم، نحلم نعم، نفكر في الأفضل نعم، نتطلع إلى مستقبل أجمل نعم، كل هذا لم يتغير، بل ربما زادت وتيرة قراءتنا وأحلامنا وتطلعاتنا، ولكن كل مفصل من هذه المفاصل مبتور، غير مكتمل أو متقن ولا نقوم به على الوجه الأمثل، ومع كل ذلك فقدنا الشغف والقدرة على توليد الأفكار والنفس الطويل، وأصبنا بلعنة «الشو» فكل شيء في حياتنا استعراضي، وأصبحت رؤيتنا لكل شيء وظيفية، نفعل ليقول الآخرون إننا قمنا بمهامنا على أكمل وجه، وليس لأننا نريد أن نقدم ما ينفع الناس ويمكث في العقل والوجدان.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة