عندما يكرر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس أن إسرائيل تتدخل عسكرياً في منطقة السويداء في جنوب سوريا ل«إنقاذ الطائفة الدرزية» من «مذبحة شاملة»، وعندما تقوم قوات إسرائيلية بشنّ هجمات على مواقع حكومية في المنطقة، وعندما تكشف تقارير ميدانية محلية عن قيام طائرات مروحية إسرائيلية بنقل شحنات أسلحة وذخائر ومعدات لوجستية إلى «الحرس الوطني» التابع للشيخ حكمت الهجري يوم السبت الماضي، وذلك للمرة الثالثة خلال الشهر الحالي، فذلك يعني أن هناك شيئاً ما تعده إسرائيل في المنطقة.
كانت صحيفة واشنطن بوست كشفت عن عمليات سرية واسعة من جانب إسرائيل لتسليح وتدريب فصائل «الحرس الوطني» كجزء من استراتيجية تستهدف السلطات السورية وتمنع توحيد البلاد، وصولاً إلى إعلان انفصال المنطقة. وقالت الصحيفة استناداً إلى مقابلات مع أكثر من عشرين مسؤولاً إسرائيلياً وغربياً حاليين وسابقين وقادة من الدروز، إن العمليات بدأت بعد تسعة أيام من سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، وإن إسرائيل أرسلت مروحيات في جنح الظلام في أول شحنة سرية جواً تضم 500 بندقية وذخيرة وسترات واقية من الرصاص، كما قدمت دفعات شهرية نقدية تتراوح بين 100 و200 دولار أمريكي لنحو 3000 عنصر ممن يتبعون الهجري، الذي أعلن مؤخراً أن «الدروز جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل، ومشتركون معها في العقيدة والتاريخ».
ورغم ضرورة الفصل بين شخص الهجري ومواقفه وارتباطاته مع العدو الإسرائيلي والجماعة المؤيدة له، وطائفة الموحدين الدروز المتجذرة في المجتمع السوري وتاريخه، والمشاركة في كل المعارك التي خاضتها سوريا ضد الاستعمار والاحتلال الإسرائيلي، وبالتالي لا يجوز تحميل سكان المنطقة وزر مواقفه الشائنة، إلا أن حالة الهجري تستدعي النظر إليها من زاوية أخرى تتعلق باستهداف سوريا والسعي لتمزيق وحدتها الترابية وإضعافها وإقامة كيانات انفصالية على أسس طائفية ومذهبية تخدم المشروع الإسرائيلي الذي تسعى حكومة نتنياهو لتنفيذه في المنطقة من خلال اللعب على مسألة الأقليات.
إن إرسال أعتدة عسكرية إسرائيلية إلى السويداء لدعم ميليشيا الهجري هدفه الإعداد لمواجهة مقبلة مع النظام السوري، في محاولة لتكريس وجود «كانتون درزي» خارج سلطة الدولة يشكل إسفيناً إسرائيلياً في الجغرافيا السورية، كما يشكل تهديداً مباشراً للأردن الذي تمتد حدوده مع جنوب سوريا لمسافة 350 كيلومتراً، وكان قدم مشروعاً للحل في السويداء على غرار الحل الكردي، بانضواء قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تحت جناح الدولة السورية، إلا أن الهجري رفض المشروع، وأصرّ على رهانه الإسرائيلي.
إن مزاعم إسرائيل بحماية الدروز في سوريا باعتبارهم يشكلون امتداداً اجتماعياً وتاريخياً وروحياً للدروز داخل الكيان الإسرائيلي مجرد ذريعة للتدخل في شؤون سوريا الداخلية، لتحقيق أهداف ذات طابع استراتيجي تتعلق بطموحاتها الإقليمية، فهو يمكّن إسرائيل من الادعاء بأنها تملك حق التدخل في دول عربية من أجل حماية الدروز، ويعطيها المبرر للتوسع في المناطق الحدودية مع سوريا ولبنان، خصوصاً باتجاه جبل الشيخ امتداداً إلى السويداء.
ما تقوم به إسرائيل في السويداء، وفي جبل الشيخ وأرياف درعا وحوض اليرموك ليس عبثاً، إنه تطور ليس هيناً، يستدعي الحذر والترقب والإعداد لمواجهته.