هل خطرت ببالك فكرة النظر إلى لغتنا العربيّة، كما لو كانت حزباً في بلد ديمقراطي؟ تجربة ذهنيّة ظريفة. بناءً على ذلك، عليك الآن أن تتخيّل تلك الديمقراطية، من صنف الإمبراطورية، على الناخبين أن يختاروا مكرهين أحد الحزبين اللذين ثالثهما أن ينطح الناخب الصخر. تماماً مثل: «تستجيب لطلبي أو أقتلك؟ قال: بما أنك خيّرتني، سأفعل».
زبدة الديمقراطية هي حريّة الاختيار، وهذا معنى الاقتراع في اللغة. لدى العرب في هذا المشهد، الذي يزري واقعه بأطول الأخيلة أجنحةً، حزبان، أحدهما للفصحى، والآخر للعامية. مثلما اتفقنا في وثيقة الأحلام العربية الخالدة: الانتخابات حرّة ونزيهة، بقي أن الحرّية والنزاهة لا تحسمان النتائج. من دون إطالة الحبال، بمباركة الأبواب العالية، جرت عمليات الاقتراع صريحةً بلا قفازات. ولحسن المصادفات، اقترعك القوم، لتكون على رأس لجان فرز الأصوات.
على المنصة، استعداداً لإعلان المنتصر في الانتخابات، وقفت الفصحى، يبدو عليها الترهل والإعياء، لا جرّاء الغرام والهيام، كما يقول الشاعر: «حامل الهوى تَعِبُ»، فواحسرتا، من أين سيستخفّها الطربُ؟ تمتم الذي عنده علم بالسايكولوجيا: ما يلوح عليها من وهن وإجهاد، إنما مرجعه إهمال ذوي القربى، فالأشدّ مضاضةً عليها، أحصنة طروادة، التي تحول دون تصدّيها للغزو اللغوي، مثل عدم تبسيط القواعد، والإحجام عن تطوير المناهج، وإقصاء تعريب العلوم، وغيرها كثير.
قال خبير في الصحة: سوء التغذية أيضاً له مفاعيل فاعلة مستفعلة. ليس لها نظام غذائي متوازن، والمعنيون باللغة، لا يكترثون لحاجة جسمها إلى بروتينات وفيتامينات ودهون صحيّة، فضلاً عن الفحوص الشاملة الدورية المنتظمة. أردف مدرّب رياضي: منذ وقع عليها بصري، أدركت أنها لا تحظى بأيّ تمارين للرشاقة. بصراحة، تحتاج إلى ألوان من التأهيل لتواكب العصر، من دون فقدان أصالتها وهويتها.
قاب مترين أو أدنى، وقفت العامّية، كأنما تلقّت سلسلة دورات مكثفة في الفنون الاستعراضية: «لمّا بدا يتثنّى». عالم النفس ذلك، همس في أذن المدرّب: ألا ترى أنها تحاول لملمة ثقتها بنفسها، لإحساسها بفارق مهول في المكانة؟ الفصحى، حتى وإن خذلها أهلوها، وتركوها فريسةً لغوائل الدهر، ولدغات اللغات الحيّة، تستند إلى مكتبة خمسة عشر قرناً، فيعود إليها العزم، فتشدو: «رُدّتِ الروح على المضنى معكْ.. لا دوامٌ للذي قد أفجعكْ».
لزوم ما يلزم: النتيجة الافتراضية: أوقفِ الزمن هنا. فأنت تحتاج إلى عامية عمر مكتبتها خمسة عشر قرناً. انتظر سنة 3526، وسنرى.
