دائماً ما تمنحنا مناطق المعاناة، بالاحتلال أو الاحتراب أو الفقر أو غيرها، دروساً في الأمل تجدد التأكيد أن الإرادة الإنسانية قادرة على تغيير معاني المستحيل.
وليس أقرب إلينا من فلسطين حين نفتش عن بعض هذه الدروس التي تتعدد صورها في تاريخ القضية لدرجة يصعب معها الحصر، وبعضها من فرط احتشاد دلائل الإرادة فيها يقترب من الخيال.
الدرس الأحدث يأتي هذه الأيام من غزة، فبين الركام ومشاهد الدمار الموزعة في القطاع، استمراراً لمعاناة السنوات الثلاث الماضية، استرد الطلاب، قبل أيام، حقهم في التعليم، بعد أن تقطعت بهم السبل إليه منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، فبعده ضاعت كل الحقوق وأصبح الجميع على شفا إبادة جماعية لا تزال ظلالها الكئيبة ممتدة.
ولو في الخيام، وبلا حقائب أو أدوات، أو زي مدرسي، تبقى عودة أطفال غزة إلى مسار التعليم درساً بليغاً للصغار والكبار في العالم، ودليل قدرة على انتزاع الحق في الحياة والوعي، وهو سلاح ينتقل من يد جيل إلى آخر من الفلسطينيين، ويعادل في قوته ما في حوزة المحتل من تكنولوجيات فتاكة تصنع الموت في بقاع كثيرة.
وإن كان التعليم حقاً لكل طفل في العالم، فهو في فلسطين أقرب إلى الفريضة، لا يسقط أبداً، رغم اشتداد وطأة المعاناة والحرمان من بقية ما يلزم لاستمرار الحياة من غذاء وكساء ودواء.
لذلك، لم تنس الإمارات، وهي تمد يد الغوث عبر فارسها الشهم إلى المنكوبين في غزة، أمر التعليم، بإصلاح ما يمكن إصلاحه من مؤسساته وتوفير بنيته التحتية، وتوفير البدائل والدعم النفسي، واحتضان طالبيه، ورعاية مقدميه، إيماناً بحق أصيل للإنسان، يزداد أهمية في فلسطين.
لا يعني ذلك أن الظروف تهيأت بالكامل للعملية التعليمية في غزة، لكن لا شيء يعطل دروسها، ولا إقبال أبنائها على التعليم، السلاح الذي لا يمكن تحريمه أو تجريمه أو مصادرته.
وليس التعليم وحده الذي لم تكتمل منظومته، فكل الجهود لإحلال السلام في غزة وإعادة الاستقرار إلى أبنائها ليستأنفوا الحياة بمعناها الحقيقي، لم تف بثمارها، فلا كفاية من الغذاء والدواء وبقية الاحتياجات الإنسانية، وهو ما يعلي من قيمة خطوة استئناف التعليم.
ورغم الانشغال بملفات أخرى في المنطقة والعالم، لا تزال الإمارات في قلب الجهود الساعية إلى الخروج من دائرة المعاناة الإنسانية المستمرة، ومواجهة إسرائيل، أول المتسببين فيها، بمسؤوليتها. ولعل اجتماعات الأمم المتحدة هي المنبر الأبرز في هذه الأيام لتجديد الإمارات وسبع دول أخرى إدانة استمرار هذه المعاناة رغم كل ما بُذل من جهود لتجاوزها أو التخفيف منها. وهي مناسبة لتذكير العالم بإمعان إسرائيل في تجاهل كل المقررات والاتفاقات وحرمان الفلسطينيين، خاصة في غزة، من المدد الإنساني اللازم، والعودة إلى حوار التهجير والاستيطان، بما يذكي احتمالات العنف ويزعزع الأمن في المنطقة والعالم.
