تعد الفنانة التشكيلية عائشة المطروشي من أبرز الأسماء في ساحة الحراك الفني الإماراتي، ولها أعمال غزيرة تفصح عن تجربة راسخة وأسلوب يمزج بين التعبيرية والتجريدية، برؤية فكرية تركز على أبعاد الهوية والتراث، وتغوص عميقاً في أعماق النفس البشرية بوعينا الراهن.
من الأعمال المميزة التي قدمتها المطروشي، لوحة تحمل عنوان «انعكاسات»، وتتجلى فيها بوضوح نزعتها التجريدية والتعبيرية، إذ شارك هذا العمل في معرض «وجوه»، الذي نظمته جمعية الإمارات للفنون التشكيلية مؤخراً، وتحتضن اللوحة بورتريهات لملامح متداخلة ضمن فضاء لوني تجريدي، ولعل تشظي الملامح بالعمل يمثل تناولاً حداثياً لروح العصر يرصد الشحنات النفسية والصراعات الوجودية للإنسان اليوم، فالفنانة لم تنتهج رسم الوجوه بأسلوب مباشر وتقليدي يبرز التفاصيل بالأسلوب المعتاد، إنما ركزت على تجسيد الانفعالات الإنسانية الكامنة بتعبيرات الوجه من قلق وتوتر، وصراع حاد ومخاوف ترتبط بمسارات الحياة والمستقبل.
عائشة المطروشي
تجريد
تجسد اللوحة رؤية الفنانة وفلسفتها القائمة على إبراز ما يمور في أعماق الإنسان من مشاعر متناقضة ومركبة عبر تجريد بصري، إذ إن حالة التشظي والانعكاسات داخل العمل لا تعكس البعد الجمالي الفردي، بل تصور الرؤية الفلسفية للمبدعة تجاه ظواهر عصرها المتسارعة، متجاوزة المظهر الخارجي للبشر لتغوص في تفاصيل عميقة وتقدم قراءة متكاملة عن التعقيدات الداخلية بواقع متقلب تفرضه أنماط الحياة المعاصرة، وتلك هي الفكرة التي تركز عليها التجربة من دون تجاهل البناء البصري والتكوينات اللونية والاشتغالات الفنية المتنوعة، فالعمل يحرض المتلقي على تفكيك دلالاته الخفية وتأويل مضمونه الجمالي والفكري معاً.
تشتت بصري
عند التأمل العميق في عوالم اللوحة وتفاصيلها الدقيقة، يلمح المشاهد تلك الخطوط السوداء الممتدة والمنسابة بصورة تلقائية، لترسم ملامح الوجوه المتفرقة والمتشظية، المتسقة في آنٍ مع تكوين العمل العام، إذ تمكن هذه المسارات المشاهد من القراءة الواعية للمشاعر الإنسانية التي يرصدها الإبداع، رغم حالة التشظي التي لجأت إليها الفنانة كخيار جمالي وفكري، وعلى الرغم من هذا التباين إلا أن هناك تناغماً بليغاً بالبناء، فإذا بدت الخطوط المتموجة والمتعرجة عشوائية للوهلة الأولى، فإنها تتلاقى وتتحد لتكشف عن الوجوه الحبيسة في جنبات اللوحة، ولعل التكوين بهذه الكيفية يلخص رؤية فلسفية حول تجاذب الذات بين عالمين: الفوضى والنظام.
تكمن براعة الفنانة في أنها لم تبرز هذه الملامح وكأنها تنتمي لشخصيات واقعية من دم ولحم، بقدر ما جعلتها مرايا لحالات نفسية وشعورية، ومن ثم فإن الرؤية الإبداعية والألق الفلسفي يتجليان في تلاشي المسافة الفاصلة بين الشخوص والخلفية، وتلك التقنية تترجم محاولة الإنسان في الانغماس ببيئته والتماهي مع واقعه رغم الصخب المحيط، والذي يكرس حالة الاغتراب والتشظي الداخلي، ولهذا فإن الوجوه باللوحة لم تتشكل ككتلة صلبة يحكمها التماسك والانسجام، إذ إن وضعيتها المفتتة تلك تجسد واقعاً من عدم الاستقرار، والتشابك الحاد والصراع الوجودي المستمر.
وعلى الرغم من أسلوب وفلسفة حجب الملامح التي اعتمدتها الفنانة في بناء مشهدية اللوحة، إلا أن القليل من التأمل يقود المشاهد لاكتشافها عبر تتبع تلك الخطوط السوداء المتموجة، ففي أعلى العمل تبرز تفاصيل وجه بشري باللونين البرتقالي والأصفر، إذ تتجلى الأنف والشفاه والذقن بوضوح، وهو وجه يشخص نحو الأسفل، وأيضاً على جهة اليمنى من اللوحة يلوح وجهٌ آخر بذات الدرجات وهو يمد بصره نحو اليسار، وكذا الحال بالنسبة لأسفل يمين العمل، إذ يتشكل وجهٌ ثانٍ، وتبدو تموضعات الوجوه بتلك الكيفية وكأن كل ملمح منها انبثق من الآخر، كما يتضح أن المبدعة ركزت على تمييز الشخوص بلونين رئيسيين هما الأصفر والبرتقالي.
تكوينات لونية
يتجلى اللون الأحمر في فضاء اللوحة بصفة أساسية، بحيث يهيمن على مشهد العمل تماماً ويفرض سطوته البصرية بقوة، مما يمنح التكوين حيوية دافقة، إذ تشير هذه الدرجة القانية لعاطفة جياشة، وتبرز كذلك الطاقة الكبيرة الكامنة بضربات الفرشاة العريضة، والتي تخلق تناغماً بين الألوان الحارة والباردة كالبرتقالي والأزرق، بجانب حضور الأسود الحيادي، ولعل لجوء المبدعة لألوان الأكريليك يخدم أسلوبيتها في توظيف الخطوط المتموجة وكثافة المادة.
لعل السمة البارزة في هذه التجربة البصرية، تكمن في ارتكاز أبعادها التعبيرية والتجريدية على تدفق لوني حركي مشحون بالشعور، مما يكسر رتابة السكون ويبرز الجوانب العاطفية، ليغدو العمل قريباً من المتلقي بإشراقات جمالية تمنح الراحة إلى العين.