تخوض الإدارة الأمريكية حرباً على جبهة أخرى، غير الجبهات المفتوحة على امتداد العالم، إنها حرب تقويض الأمم المتحدة لأنها لا تلبي المصالح الأمريكية كما يجب، لذلك تعمد إلى ممارسة ضغوط سياسية ومالية عليها، والانسحاب من الوكالات التابعة لها. وجاءت دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم أمس الأول إلى جميع الدول الأعضاء الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية لأنها حسب قوله «خارجة عن السيطرة»، استكمالاً لخطوات سابقة اتخذتها إدارته بالانسحاب من 66 منظمة دولية، من بينها 31 منظمة تابعة للأمم المتحدة «لأنها لا تخدم المصالح الأمريكية».
كما تعمد إدارة ترامب إلى تجويع المنظمة، بعد تخفيض التمويل الطوعي والإلزامي، والامتناع عن سداد معظم المستحقات المالية البالغة أكثر من 4 مليارات دولار، مكتفية بدفع مبالغ زهيدة لا تتجاوز 160 مليون دولار، ما بات يهدد المنظمة بانهيار مالي، وتقليص الخدمات الإنسانية التي تقدمها الوكالات الدولية في مختلف الأماكن التي تتعرض للحروب والكوارث الطبيعية.
قبل دعوته الأخيرة للانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، كان قد انسحب من اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، ومجلس حقوق الإنسان، وأوقف تمويل وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، والمنظمة الدولية للتربية والتعليم (الأونيسكو)، وصندوق المناخ الأخضر، والوكالة الدولية للطاقة المتجددة(أرينا)، والمنتدى العالمي بشأن الهجرة والتنمية، ومبادرة طاقة الكربون الصفري.
كانت مبررات هذا الانسحاب أن هذه المنظمات والاتفاقيات «لم تعد تخدم المصالح الأمريكية وتتعارض مع السيادة الوطنية»، بمعنى أنه يريد من المنظمة الدولية وكل أفرعها ووكالاتها وأدواتها أن تلبي المصالح الأمريكية، وتكون في خدمة سياساته، وإلا فإن الرئيس ترامب يعتبرها «خارجة عن السيطرة» و«مؤسسات مارقة».
وتأتي دعوة الرئيس الأمريكي للانسحاب الجماعي من «المحكمة الجنائة الدولية» التي أنشئت عام 2002، وهي إحدى ذراعي العدالة الدولية مع محكمة العدل الدولية في سياق نظرته العدائية للمحكمة، إذ سبق له أن وقع في 6 فبراير/ شباط 2025 أمراً تنفيذياً، يتيح فرض عقوبات مالية وقيود على دخول أشخاص مرتبطين بتحقيقات أو ملاحقات تستهدف أمريكيين، خصوصاً مذكرة الاعتقال التي أصدرتها المحكمة في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير حربه آنذاك يواف غالانت لارتكابهما جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية في الحرب على قطاع غزة.
وفيما اعتبر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو المحكمة «هيئة فاسدة ومسيسة للغاية، وتسيء استخدام سلطتها وتتجاوز نطاق ولايتها»، فإن الرئيس ترامب بدعوته دول العالم إلى الانسحاب الجماعي من المحكمة، إنما يريد تقويضها تماماً طالما أنها تقوم بواجبها في تكريس الحد الأدنى من العدالة الدولية، عندما قررت تجريم نتنياهو وغالانت.
لقد سبق لنتنياهو أن كشف عن تعهد أمريكي بحمايته واتخاذ إجراءات ضد المحكمة الجنائية الدولية، وأن وزير الخارجية روبيو أكد له ذلك، «لأن المحكمة تهدد العدالة في أنحاء العالم، وتمس حق الدول الديمقراطية ذات السيادة في ممارسة سيادتها».
لأن المنظمة الدولية ووكالاتها لا تقوم بخدمة المصالح الجيوسياسية الأمريكية كما يجب، فلا حاجة إليها.. وهذا ما تقوم به إدارة الرئيس ترامب.