عندما يشيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالدور الإماراتي، ويشكر قيادتها الحكيمة على استضافة المحادثات الثلاثية بين موسكو وكييف وواشنطن لإيجاد حل للصراع في أوكرانيا، فهذه شهادة رفيعة من زعيم دولة كبرى بالمكانة الاستثنائية التي تحظى بها دولة الإمارات كوسيط دولي موثوق، وجسر آمن للتواصل الدبلوماسي في أعقد الأزمات العالمية.
هذه الشهادة تؤكد أيضاً أن النهج الإماراتي القائم على الحياد الإيجابي، وتغليب لغة الحوار، وبناء الثقة مع مختلف القوى الدولية، قد حوّل أبوظبي، التي ستستضيف المحادثات الثلاثية بعد غد الثلاثاء، إلى عاصمة لصناعة السلام، ومنصة رئيسية لتقريب وجهات النظر وإرساء دعائم الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي. وليست المرة الأولى التي تستضيف فيها أبوظبي محادثات بشأن أوكرانيا، فقد سبقتها جولتان بداية العام الجاري، وهذه الثالثة يؤمل أن تكون محطة مفصلية للبناء على ما تحقق من تفاهمات أولية، والانتقال بالمفاوضات من مرحلة جس النبض وتبادل الرسائل إلى صياغة ترتيبات أمنية عملية تضع حداً للتصعيد، وتفتح أفقاً حقيقياً لتسوية شاملة ومستدامة تنهي الأزمة وتعيد الاستقرار للقارة الأوروبية والعالم.
حدوث تطور إيجابي في المحادثات المرتقبة في أبوظبي لن يكون أمراً مستغرباً، والرهان في ذلك يعود إلى استعداد الطرفين الروسي والأوكراني وثبات الوسيط الأمريكي. أما من ناحية الإمارات، فقد وفرت كل الظروف الملائمة لإنجاح هذه الجولة، مستندةً إلى رصيد كبير من المصداقية والنجاحات الملموسة في إدارة الملفات الإنسانية الشائكة، و27 وساطة أتمت بنجاح تبادل أكثر من 8500 أسير بين روسيا وأوكرانيا منذ بدء الصراع عام 2022، فضلاً عن دورها الإغاثي الرائد في تقديم المساعدات الإنسانية والطبية العاجلة للشعب الأوكراني للتخفيف من تداعيات الأزمة.
هذا الرصيد كافٍ ليجعل من أبوظبي البيئة الأكثر ثقة وقدرة على تحويل التفاهمات الإنسانية إلى اختراق سياسي شامل، ويثبت مجدداً أن الدبلوماسية الإماراتية فعالة وجديرة بصناعة السلام في أكثر صراعات العالم تشابكاً وتعقيداً. والغاية الإماراتية السامية ستظل دوماً إرساء دعائم السلام المستدام، وصون الكرامة الإنسانية، وتجنيب الشعوب ويلات الحروب والنزاعات.
الحوار هو السبيل الوحيد لتجاوز الخلافات، وإطفاء نيران الأزمات، وبناء عالم يسوده الأمن والاستقرار والازدهار المشترك. وهذا النهج تسير عليه الإمارات بقيادة صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، الذي أرسى مدرسة دبلوماسية فريدة تجعل من السلام أولوية قصوى، ومن التضامن الإنساني جسراً للتقارب بين الشعوب، وهي رسالة تحملها الإمارات إلى العالم، وتبرهن عليها قولاً وفعلاً.
الإمارات منسجمة دائماً مع مبادئها، وتترك للأفعال والمواقف الثابتة أن تتحدث عن نهجها، ولم تكن إشادة الرئيس الروسي بدورها إلا ترجمة صادقة للثقة الدولية الكبيرة التي تحظى بها الدبلوماسية الإماراتية، واعترافاً صريحاً بمكانتها الاستثنائية في عالم يعج بالأزمات والنزاعات ويحتاج إلى أصوات الحكمة والوسطية والاعتدال، أكثر من حاجته إلى منطق الاستقطاب والتصعيد، أو لغة الصدام التي لا تُنتج إلا مزيداً من الدمار والانقسام.