تجاوزت الالتزامات الأوروبية تجاه أوكرانيا منذ اندلاع الحرب الروسية في شباط/فبراير 2022 حاجز ال220 مليار يورو، وهو رقم يحمل وزناً سياسياً كبيراً داخل العواصم الأوروبية. غير أن هذا الحجم من الإنفاق، مهما بدا مثيراً للإعجاب، لا ينبغي أن يكون هو العامل الحاسم في القرارات المقبلة. فالسؤال الأصعب أبسط من كل هذه الأرقام: ما الذي سيعنيه اليورو القادم فعلياً؟ فبعد توقيع العقود وتقديم الوعود السياسية على امتداد السنوات الماضية، قد يصبح الاستمرار هو الخيار الوحيد الذي يبدو مسؤولاً، حتى لو لم تعد مبرراته الأولى قائمة. لكن الماضي، مهما عظُم، ليس دليلاً على أن كل التزام مقبل سيكون فعالاً أو ضرورياً أو في متناول القدرات المالية.
وتشير أرقام مجلس الاتحاد الأوروبي إلى أن إجمالي الدعم المقدّم لأوكرانيا بلغ 220.2 مليار يورو، منها نحو 107 مليارات يورو ممولة أو مضمونة من ميزانية الاتحاد، ونحو 77 مليار يورو في صورة مساعدات عسكرية. والطموح لم يتوقف عند هذا الحد، فقد أقر المجلس في نيسان/إبريل الماضي قرضاً إضافياً بقيمة 90 مليار يورو لتغطية احتياجات كييف المالية والدفاعية للعامين 2026 و2027. كما تعهّد حلف شمال الأطلسي، في إعلان قمة أنقرة الصيف الماضي، بتقديم مساعدات عسكرية لأوكرانيا بقيمة 70 مليار يورو خلال عام 2026، مع الالتزام بمستوى مماثل في العام التالي. هذه الأرقام، على اختلاف مصادرها وتصنيفاتها، لا تدع مجالاً للشك في أن أوروبا مقبلة على مرحلة قرارات بالغة الضخامة تفرض إعادة تقييم دورية لجدوى كل يورو إضافي.
المطلوب اليوم الانتقال من الحديث عن إجمالي الإنفاق إلى الحديث عما يمكن تسميته المردود الأمني الهامشي. فقبل الموافقة على أي حزمة جديدة من عشرة مليارات يورو، يفترض أن تُوزن ثلاثة اتجاهات: الدعم العسكري والمالي المباشر لأوكرانيا، والاستثمار في الطاقة الإنتاجية الأوروبية من ذخائر ودفاعات جوية، والاستعداد الأوسع في مجالات اللوجستيات والأمن السيبراني والمخزونات. وكل اتجاه من هذه الاتجاهات له حساباته الخاصة.
وتحذر التحليلات من ثلاثة أنواع من تكاليف الانجراف التي تشوّه الحكم العقلاني: التكلفة المالية المتمثلة في الاعتقاد بأن أوروبا أنفقت أكثر مما يسمح لها بتغيير المسار، والتكلفة الاستراتيجية حين تنظم البنى الصناعية والتخطيط العسكري حول نهج واحد يغدو تغييره مكلفاً، والتكلفة عندما يخشى القادة من أن تُفسَّر المراجعة على أنها اعتراف بخطأ القرارات السابقة. ولهذا يظل القول إننا ماضون في المسار نفسه شعاراً لا يغني عن استراتيجية واضحة، ما لم يفسر القادة ماذا يفترض أن يحقق هذا المسار، وكيف يمكن استدامته، وما الذي يبرر تغييره.
وثمة حقيقة إضافية: «العبء المالي لن ينتهي حتماً مع انتهاء القتال، فالتقييم المشترك للأضرار واحتياجات التعافي، الذي أعده البنك الدولي والمفوضية الأوروبية والأمم المتحدة بالتعاون مع الحكومة الأوكرانية، قدَّر احتياجات إعادة الإعمار بنحو 588 مليار دولار على مدى العقد المقبل، أي ما يزيد على 500 مليار يورو».
ولا شيء في هذا الإطار يدعو تلقائياً إلى خفض الدعم، فقد تخلص المراجعة إلى أن أوكرانيا بحاجة إلى دعم أكبر بكثير، وأن تقديمه اليوم هو الطريق الأقل كلفة لمنع حرب أوسع وأكثر فداحة.
*رائد أعمال في مجال التكنولوجيا المالية. يركز عمله على التداول الخوارزمي، والإدارة الآلية للمخاطر، وأنظمة التداول القائمة على الذكاء الاصطناعي. (بروكسل سيغنال)
