من حيث تكوينها والملامح، تُوشك الانتفاضةُ في فرنسا وجوارِها الأوروبيّ أن تُشبِه سابقتَها في العام 1968. الاثنتان نشأتا في بيئةٍ تعليميّة (طلاّبيّة، تلاميذيّة)، ابتداءً، ثمّ ما لبثت قاعدتُهما الاجتماعيّة أنِ اتّسعت نطاقاً ففاضت عن حدود البيئة الأولى إلى مدى اجتماعيّ داخليّ أوسع. هذه واحدة، الثّانيّة أنّ الاثنتيْن انطلقتا من فرنسا ثمّ اجتاحتا بلداناً عدّةً من أوروبا على نحوٍ بَدَتا فيه - في الحاليْن- انتفاضةً واحدةً عابرةً للحدود ناطقةً بلغاتٍ مختلفة (هي، اليوم، فرنسيّة، إيطاليّة، إسبانيّة، برتغاليّة، يونانيّة، صربيّة، ألبانيّة، فلمنكيّة...). ثالثةُ أثافي الشّبه أنّهما انتفاضتان مستقلّتان عن كلّ مركزٍ حزبيّ أو سياسيّ بعيدتان عن كلّ ولاءٍ مؤسّسيّ قد يُلقي قيْداً عليهما أو يتحكّم بمصائر مطالبهما.
ما من شكٍّ في أنّ مَواطنَ التّشابُه هذه - وغيرها كثير - ليست تُخفي، أَلْبتَةَ، ملامح الاختلاف التي تَسِم بميْسمها شخصيّةَ كلٍّ من انتفاضة مايو 68 وانتفاضة أكتوبر 2026. جِيل انتفاضة 68 جيلُ يسارٍ بامتياز قادهُ ماركسيّون من منابتَ أيديولوجيّة مختلفة: ماركسيّة- لينينيّة، تروتسكيّة، ماويّة، مجالسيّة، فوضويّة... انتظمت في فضاءاتٍ تقع على يسارِ «الحزب الشّيوعيّ «وخرج أكثر أُطره من الحزب عينِه احتجاجاً وانشقاقاً. أمّا جيل «زِد»، الذي يقود انتفاضات اليوم، فليس من بيئة اليسار خرج أو استوى عُوداً وتَكوَّن «مشروعاً «، وإنّما من انسداد آفاق الواقع الاجتماعيّ وتردّي أوضاع التّعليم والمؤسّسات الاجتماعيّة انبثق، بل من شقوق عمران السّياسة المتصدِّع المتهالك، وإنْ كان اليسارُ واليمين المتطرّف يخطبان معاً ودّه: كلّ بطريقةٍ تناسب الأهدافَ التي يتغيّاها من حراك هذا الجيل.
يطال الاختلافُ محيط الانتفاضتيْن السّياسيّ. لو أخذنا فرنسا وحدها مثالاً، سنقف على وجوه ذلك بجلاء. فرنسا الرّسميّة ليست عينُها في الزّمنيْن السّياسيّين، بل أصابها من التّحوّل ما بدت به وكأنّها اثنتان: فرنسا شارل دوغول، في العام 1968، دولة عظمى في محيطها وفي العالم، يحكمها التّيّارُ السّياسيّ الذي استمدّ شرعيّته من مقاومة النّظام النّازيّ في فرنسا وأوروبا ومن الانخراط الرّسميّ في تحريرها منه، وما تَوقَّف رئيسُها الجنرال عن شقّ عصا الطّاعة في مواجهته السّياسات الأمريكيّةَ والأطلسيّةَ في العالم وصولاً إلى الانسحاب من المؤسّسات العسكريّة للنّاتو.
أمّا فرنسا ماكرون فمِن أَرومةٍ أخرى تماماً. وقعت انتفاضة مايو(أيار) 68 في مجتمعٍ يتنفّس السّياسةَ وتزدحم أرجاؤُهُ بقواها، ووقعت انتفاضة أكتوبر(تشرين الأول) 2026 في مجتمع خلا من السّياسة. مناخ 68 كان مناخ صعودٍ لقوى اليسار مع قدرةٍ للدّيغوليّة على مقاومة التّيّار وتجديد النّفس، فيما مناخ فرنسا السّياسيّ اليوم هو مناخ صعود اليمين العنصريّ المتطرّف: مناخ احتضار السّياسة وصيرورتها شأناً قابلاً للتّوسُّل والتّوظيف من بيئاتٍ غيرِ سياسيّة (بيئات البنوك ورجال الأعمال) هي البيئات التي أصبحت تنتج النّخب السّياسيّة الحاكمة، على مثال الحاصل في الولايات المتّحدة الأمريكيّة منذ عشرة أعوام.
نبّه اندلاعُ انتفاضة مايو(أيار) 1968 إلى أمرٍ كان قد ذُهِل عنه منذ سقوط النّظام النّازيّ في ألمانيا، مفادُه أنّ الأدوات والمؤسّسات الدّيمقراطيّةَ لا تقدّم الضّمانات الكافيةَ، دائماً، لاحتواء الصّراعات الاجتماعيّة ومنْعِها من التّعبير عن نفسها في أشكالٍ من العنف الاجتماعيّ مثل الثّورات والانتفاضات والحركات الاحتجاجيّة.
